فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٣٠٠ - أول من تعرض لهذه المسألة من الأصحاب
قتله لو طرأ الجنون بعد مضيّ مدّة استتابته و امتناعه عن التوبة، قال: «و يحتمل هنا العدم، للأصل و الاحتياط في الدماء و الشبهة الدارئة للحدّ كما سيجيء، فإنّ القتل أيضاً حدّ، و إرجاء توبته إن لم يقتل، فإنّ الظاهر أنّه يقبل توبته و إن حصلت بعد مضيّ مدّتها، فحين قتله مجنوناً يحتمل أن لو كان عاقلًا لتاب قُبيله بنَفَس، فتأمّل.»[١] أقول: إنّ ما ذكروه في عدم قتل المرتدّ الملّيّ إذا جنّ كلام متين، و يجري كلّ ذلك في المرتدّ الفطريّ أيضاً على ما ذهبنا إليه من قبول توبته و إن لم يستتب، لأنّه يجيء في حقّه أيضاً احتمال الرجوع و التوبة لو أفاق من جنونه قبل أن يقتل و لو بلحظة.
مضافاً إلى أنّ إقامة الحدّ على المجنون مخالف للارتكاز و يستنكره العقلاء، و ذلك لأنّ المرتكز عندهم هو أنّ الحدّ- مضافاً إلى منافعه بالنسبة إلى المجتمع و كونه لزجر الجماعة عن ارتكاب مثله- مؤاخذة و عقوبة، و هي تتحقّق فيمن يدرك العقوبة. و أشكل من ذلك ما إذا قامت البيّنة في زمان جنونه بأنّه ارتدّ فطريّاً في زمان صحوه، فهل يجوز للحاكم أن يحكم طبقاً للبيّنة، مع عجز المتّهم عن الدفاع عن نفسه؟ فهل محاكمة المجنون في دور جنونه لا تكون مستبعدة عند العقلاء؟
و قد مرّ منّا بعض الكلام في ذلك في كتاب الزنا في مبحث عدم سقوط الحدّ بعروض الجنون أو الارتداد، فراجع[٢].
و أمّا التمسّك بمثل رواية حمّاد بن عيسى، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ عليهم السلام، قال: «لا حدّ على مجنون حتّى يفيق، و لا على صبيّ حتّى يدرك، و لا على النائم حتّى يستيقظ»[٣] لنفي إقامة الحدّ على المجنون في دور جنونه، فهو في غير محلّه، و ذلك لأنّ المراد بأمثال تلك الكلمات هو عدم ثبوت الحدّ على المجنون المرتكب
[١]- مجمع الفائدة و البرهان، ج ١٣، ص ٣٣٩.
[٢]- راجع: الجزء الأوّل من هذا الكتاب، صص ٥٣٥ و ٥٣٦.
[٣]- وسائل الشيعة، المصدر السابق، الباب ٨ منها، ح ١، صص ٢٢ و ٢٣.