نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٣٧ - ١٤٢ - و من كلام له عليه السّلام
و أدخلنا و أخرجهم، بنا يستعطى الهدى، و يستجلى العمى، إنّ الأئمّة من قريش غرسوا فى هذا البطن من هاشم: لا تصلح على سواهم، و لا تصلح الولاة من غيرهم
منها: آثروا عاجلا، و أخّروا آجلا، و تركوا صافيا، و شربوا آجنا [١] كأنّى أنظر إلى فاسقهم و قد صحب المنكر فألفه و بسىء به و وافقه [٢] حتّى شابت عليه مفارقه، و صبغت به خلائقه! [٣] ثمّ أقبل مزبدا كالتّيّار لا يبالى ما غرّق، أو كوقع النّار فى الهشيم لا يحفل ما حرّق!! [٤] أين العقول المستصبحة بمصابيح الهدى؟ و الأبصار اللاّمحة إلى منار التّقوى [٥]؟ أين القلوب الّتى وهبت للّه و عوقدت على طاعة اللّه؟ ازدحموا على الحطام، و تشاحّوا على
[١] آثروا: اختاروا. و أخروا: تركوا. و الآجن: الماء المتغير اللون و الطعم و فعله أجن يأجن و يأجن، مثل ضرب يضرب و نصر ينصر، و فيه وجه ثالث مثل فرح
[٢] بسىء به - كفرح - استأنس به، و «ناقة بسوء» ألفت الحالب فلم تمنعه و قوله «شابت عليه مفارقه» يريد أنه قد طال عهده به منذ زمن الصبا إلى أن صار شيخا
[٣] ملكاته الراسخة فى نفسه، يريد أن ذلك قد صار طبعا له لا يفارقه و لا ينفك عنه
[٤] الزبد - محركا - ما يخرج من الفم كالرغوة، و تقول «أزبد» إذا خرج منه ذلك، هذا أصله، و هو يكنى به عن الصائل المقتحم. و التيار: معظم اللجة، و لا يحفل - كيضرب - لا يبالى
[٥] أصل المنار ما ينصب فى الطريق ليكون علامة لسالكه، و فى الحديث «إن للاسلام صوى و منارا كمنار الطريق» و فى بعض النسخ «منازل التقوى» جمع منزل أو منزلة