نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٤٧ - ٢٢٤ - و من خطبة له عليه السّلام
فناؤها [١]، و شيد بالتّراب بناؤها، فمحلّها مقترب، و ساكنها مغترب، بين أهل محلّة موحشين، و أهل فراغ متشاغلين [٢]، لا يستأنسون بالأوطان، و لا يتواصلون تواصل الجيران، على ما بينهم من قرب الجوار، و دنوّ الدّار، و كيف يكون بينهم تزاور و قد طحنهم بكلكله البلى [٣]، و أكلنهم الجنادل و الثّرى؟ و كأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه [٤]، و ارتهنكم ذلك المضجع، و ضمّكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور [٥]، و بعثرت القبور؟ (هُنٰالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مٰا أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إِلَى اَللّٰهِ مَوْلاٰهُمُ اَلْحَقِّ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مٰا كٰانُوا يَفْتَرُونَ)
[١] فناء الدار - بالكسر - ساحتها و ما اتسع أمامها، و بناء الفناء بالخراب تمثيل لما يتخيله الفكر فى ديار الموتى من الفناء الدائم إلى نهاية العالم
[٢] متشاغلين بما شاهدوا من عقبى أعمالهم
[٣] الكلكل: هو صدر البعير، كأن البلى - بكسر الباء، أى: الفناء - جمل برك عليهم فطحنهم، و الجنادل: الحجارة، و الثرى: التراب
[٤] و لقرب آجالكم كأنكم قد صرتم إلى مصيرهم، و حبستم فى ذلك المضجع كما يحبس الرهن فى يد المرتهن
[٥] تناهى به الأمر: وصل إلى غايته، و المراد انتهاء مدة البرزخ، و بعثرت القبور: قلب ثراها و أخرج موتاها
[٦] «تبلوه» أى: تخبره، فتقف على خيره و شره