نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢١٨ - ٢٠٩ - و من خطبة له عليه السّلام
و رست أصولها فى الماء، فأنهد جبالها عن سهولها [١]، و أساخ قواعدها فى متون أقطارها و مواضع أنصابها، فأشهق قلالها [٢]، و أطال أنشازها [٣]، و جعلها للأرض عمادا، و أرّزها فيها أوتادا، فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها [٤]، أو تسيخ بحملها، أو تزول عن مواضعها فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها، و أجمدها بعد رطوبة أكنافها، فجعلها لخلقه مهادا [٥] و بسطها لهم فراشا! فوق بحر لجّىّ راكد لا يجرى [٦]، و قائم لا يسرى، تكركره الرّياح العواصف [٧]. و تمخضه الغمام الذّوارف (إِنَّ فِي ذٰلِكَ
[١] قوله «فأنهد الخ» كأن النشوز و المتون و الأطواد كانت فى بداية أمرها على ضخامتها غير ظاهرة الامتياز و لا شامخة الارتفاع عن السهول، حتى إذا ارتجت الأرض بما أحدثت يد القدرة الالهية فى بطونها نهدت الجبال عن السهول فانفصلت كل الانفصال، و امتازت بقواعد سائخة - اى: غائصة - فى المتون من أقطار الأرض، و مواضع الأنصاب: جمع نصب - بضمتين - و هو ما جعل علما يشهد فيقصد، فان الجبال إنما تشامخت من مرتفع الأرض و صلبها
[٢] قلال الجبال: أعلاها، و أشهقها: جعلها شاهقة، أى: بعيدة الارتفاع
[٣] «أطال أنشازها» أى: مد متونها المرتفعة فى جوانب الأرض، و أرزها - بالتشديد - ثبتها
[٤] أى: إن الأرض على حركتها المخصوصة بها سكنت عن أن تميد - أى: تضطرب - بأهلها و تتزلزل بهم إلا ما يشاء اللّه فى بعض مواضعها لبعض الأسباب. و تسيخ كتسوخ أى: تغوص فى الهواء فتنخسف، و زوالها عن مركزها المعين لها
[٥] المهاد: الفرش و ما تهيئه لنوم الصبى
[٦] لا يسيل فى الهواء
[٧] تكركره: تذهب به و تعود، و شبه اشتمال السحاب على خلاصة ماء البحر - و هو بخاره - بمخضها له كأنه لبن تخرج زبده. و الذوارف: جمع ذارفة، من «ذرف الدمع» إذا سال.