نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٧٦ - ١٥٨ - و من خطبة له عليه السّلام
زلفته. فلينظر ناظر بعقله أكرم اللّه محمّدا بذلك أم أهانه؟! فإن قال: «أهانه» فقد كذب و أتى بالافك العظيم، و إن قال: «أكرمه» فليعلم أنّ اللّه [قد] أهان غيره حيث بسط الدّنيا له، و زواها عن أقرب النّاس منه، فتأسّى متأسّ بنبيّه [١] و اقتصّ أثره، و ولج مولجه، و إلاّ فلا يأمن الهلكة، فإنّ اللّه جعل محمّدا، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، علما للسّاعة [٢] و مبشّرا بالجنّة، و منذرا بالعقوبة: خرج من الدّنيا خميصا [٣] و ورد الآخرة سليما، لم يضع حجرا على حجر حتّى مضى لسبيله، و أجاب داعى ربّه، فما أعظم منّة اللّه عندنا حين أنعم علينا به سلفا نتّبعه، و قائدا نطأ عقبه [٤] و اللّه لقد رقعت مدرعتى هذه حتّى استحييت من راقعها [٥] و لقد قال لى قائل: أ لا تنبذها عنك؟ فقلت: اغرب عنّى [٦] «فعند الصّباح يحمد القوم السّرى»
[١] فتأسى: خبر يريد به الطلب، أى: فليقتد مقتد بنبيه
[٢] العلم - بالتحريك - العلامة، أى: إن بعثته دليل على قرب الساعة، حيث لا نبى بعده
[٣] «خميصا» أى: خالى البطن، كناية عن عدم التمتع بالدنيا
[٤] العقب - بفتح فكسر - مؤخر القدم، و وطء العقب: مبالغة فى الاتباع و السلوك على طريقه: نقفوه خطوة خطوة، حتى كاننا نطأ مؤخر قدمه
[٥] المدرعة - بالكسر - ثوب من صوف
[٦] «اغرب عنى» اذهب و ابعد، و قوله «عند الصباح - الخ» هذا مثل معناه إذا أصبح النائمون و قد رأوا السارين واصلين إلى مقاصدهم حمدوا سراهم، و ندموا على نوم أنفسهم، أو إذا أصبح السارون - و قد وصلوا إلى ما ساروا إليه - حمدوا سراهم و إن كان شاقا، حيث أبلغهم إلى ما قصدوا، و السرى - بضم ففتح السير ليلا