نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢٣ - ١٣١ - و من كلام له عليه السّلام
و منها: و إنّما الدّنيا منتهى بصر الأعمى [١] لا يبصر ممّا وراءها شيئا، و البصير ينفذها بصره و يعلم أنّ الدّار وراءها، فالبصير منها شاخص، و الأعمى إليها شاخص، و البصير منها متزوّد، و الأعمى لها متزوّد.
و منها: و اعلموا أن ليس من شىء إلاّ و يكاد صاحبه أن يشبع منه و يملّه، إلاّ الحياة فإنّه لا يجد له فى الموت راحة [٢] و إنّما ذلك بمنزلة الحكمة الّتى هى حياة للقلب الميّت، و بصر للعين العمياء، و سمع للأذن الصّمّاء، و رىّ للظّمآن، و فيها الغنى كلّه و السّلامة: كتاب اللّه تبصرون به، و تنطقون به، و تسمعون به، و ينطق بعضه ببعض، و يشهد بعضه على بعض، و لا يختلف فى اللّه، و لا يخالف بصاحبه عن اللّه.
قد اصطلحتم على الغلّ فيما بينكم [٣] و نبت المرعى على دمنكم، و تصافيتم
[١] يشير إلى أن من يقصر نظره على الدنيا فكأنه لم يبصر شيئا، فهو بمنزلة الأعمى
[٢] «لا يجد فى الموت راحة» حيث لم يهيىء من العمل الصالح الباقى ما يكسبه السعادة بعد الموت. قال: «و إنما ذلك» أى: شعور الانسان بخيفة ما بعد الموت، بمنزلة حكمة واعظة تنبهه من غفلة الغرور، و تبعثه إلى خير العمل. ثم بعد بيانه لما يجده الانسان فى نفسه - من خيفة ما وراء الموت، و لما يرشد إليه ذلك - أخذ يبين الوسيلة الموصلة إلى النجاة مما يخشاه القلب و تتوجس منه النفس، و أنها التمسك بكتاب اللّه الذى بين أوصافه، و بهذا التفسير التأم الكلام، و اندفعت حيرة الشارحين فى هذا المقام. و قوله «كتاب - الخ» جملة مستأنفة، أى: هذا كتاب اللّه فيه ما تحتاجون إليه مماهدتكم الفطرة إلى طلبه
[٣] الغل: الحقد، و الاصطلاح عليه: الاتفاق على تمكينه فى النفوس، و قوله «نبت المرعى على دمنكم»: تأكيد و توضيح للجملة قبلها، و الدمن - بكسر ففتح - جمع دمنة - بالكسر - و هى الحقد القديم، و نبت المرعى عليه: استتاره بظواهر النفاق و زينة الخداع، و أصل الدمن: السرقين و ما يكون من أرواث الماشية و أبوالها، و سميت بها الأحقاد لأنها أشبه شىء بها قد تنبت عليها الخضر و هى على ما فيها من قذر، و هذا كلام ينعى به حالهم مع وجود كتاب اللّه و مرشد الالهام