نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٢١ - ١٣٠ - و من خطبة له عليه السّلام
فقد رأيت من كان قبلك ممّن جمع المال، و حذر الإقلال، و أمن العواقب، طول أمل [١] و استبعاد أجل، كيف نزل به الموت فأزعجه عن وطنه، و أخذه من مأمنه، محمولا على أعواد المنايا، يتعاطى به الرّجال الرّجال حملا على المناكب، و إمساكا بالأنامل [٢] أ ما رأيتم الّذين يومّلون بعيدا، و يبنون مشيدا، و يجمعون كثيرا، كيف أصبحت بيوتهم قبورا، و ما جمعوا بورا، [٣] و صارت أموالهم للوارثين، و أزواجهم لقوم آخرين، لا فى حسنة يزيدون، و لا من سيّئة يستعتبون؟! فمن أشعر التّقوى قلبه برّز مهله [٤] و فاز عمله،
[١] طول: مفعول لأجله، أى: كان منه ذلك لطول الأمل الخ
[٢] أعواد المنايا: النعش، و «يتعاطى به الرجال الرجال» أى: يتداولونه: تارة على أكتاف هؤلاء، و تارة على أكتاف هؤلاء. و قد فسره بما بعده من قوله «حملا على المناكب و إمساكا بالأنامل»
[٣] المشيد - بوزن المبيع و المعيب - اسم مفعول من «شاده» إذا بناه بالشيد، و هو الجص، و فى التنزيل: (وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ) و البور: الفاسد الهالك، و «قوم بور» أى: هلكى، و قال اللّه تعالى: (وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً) و البور: جمع، واحده بائر، مثل حائل و حول
[٤] «يستعتبون» رواه قوم بالبناء للمجهول، و معناه حينئذ أنهم لا يعاتبون على فعل سيئة صدرت منهم أيام حياتهم، أو لا يستطيعون و هم موتى أن يفعلوا ما يعاتبون عليه. و رواه قوم بالبناء للمعلوم، و معناه حينئذ مأخوذ من قولهم «استعتب فلان» إذا طلب أن يعتب، أى: يرضى، و قوله «فمن أشعر التقوى قلبه» معناه جعلها ملازمة له كما يلازم الشعار الجسد، و تقول: «برز الرجل على أقرانه» أى: فاقهم. و المهل: التقدم فى الخير، أى: فاق تقدمه إلى الخير على تقدم غيره