نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٥٤ - ١٨٨ - و من خطبة له عليه السّلام
دينه. لا يثنيه عن ذلك اجتماع على تكذيبه، و التماس لإطفاء نوره. فاعتصموا بتقوى اللّه فإنّ لها حبلا وثيقا عروته، و معقلا منيعا ذروته، [١] و بادروا الموت فى غمراته، و امهدوا له قبل حلوله، و أعدّوا له قبل نزوله، فإنّ الغاية القيامة و كفى بذلك واعظا لمن عقل، و معتبرا لمن جهل. و قبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الأرماس [٢]، و شدّة الإبلاس، و هول المطّلع، و روعات الفزع، و اختلاف الأضلاع، و استكاك الأسماع، و ظلمة اللّحد، و خيفة الوعد، و عمّ الضّريح، و ردم الصّفيح.
فاللّه اللّه عباد اللّه!، فإنّ الدّنيا ماضية بكم على سنن، و أنتم و السّاعة فى قرن [٣] و كأنّها قد جاءت بأشراطها، و أزفت بأفراطها، و وقفت بكم على
[١] المعقل - كمسجد -: الملجأ، و ذروة كل شىء: أعلاه، و مبادرة الموت: سبقه بالاعمال الصالحة، و «فى غمراته»: حال من الموت. و الغمرات: الشدائد، و مهد - كمنع - معناه هنا: عمل
[٢] الأرماس: القبور، جمع رمس، و أصله اسم للتراب. و الابلاس: حزن فى خذلان و يأس. و المطلع - بضم فتشديد مع فتح -: المنزلة التى منها يشرف الانسان على أمور الآخرة، و هى منزلة البرزخ. و أصل المطلع: موضع الاطلاع من ارتفاع إلى انحدار. و «اختلاف الاضلاع»: دخول بعضها فى موضع الآخر من شدة الضغط، و «استكاك الاسماع»: صممها من التراب أو الأصوات الهائلة. و الضريح: اللحد، و الردم: السد، و الصفيح: الحجر العريض. و المراد ما يسد به القبر.
[٣] «سنن» أى: على طريق معروف تفعل بكم فعلها بمن سبقكم. و القرن - محركا -: الحبل يقرن به البعيران، كناية عن القرب و أن لا بد منها. و الأشراط، العلامات. و أزفت: قربت، و الافراط: جمع فرط - بسكون الراء -: و هو العلم المستقيم يهتدى به، أى: بدلائلها