نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٣٥ - منها فى ذكر القرآن
بنو سبيل على سفر من دار ليست بداركم، و قد أوذنتم منها بالارتحال، و أمرتم فيها بالزّاد، و اعلموا أنّه ليس لهذا الجلد الرّقيق صبر على النّار، فارحموا نفوسكم فإنّكم قد جرّبتموها فى مصائب الدّنيا. أ فرأيتم جزع أحدكم من الشّوكة تصيبه و العثرة تدميه، و الرّمضاء تحرقه؟ فكيف إذا كان بين طابقين من نار، ضجيع حجر، و قرين شيطان [١]؟! أ علمتم أنّ مالكا إذا غضب على النّار حطم بعضها بعضا لغضبه [٢]، و إذا زجرها توثّبت بين أبوابها جزعا من زجرته؟؟!!
أيّها اليفن الكبير [٣] الّذى قد لهزه القتير! كيف أنت إذا التحمت أطواق النّار بعظام الأعناق، و نشبت الجوامع [٤] حتّى أكلت لحوم السّواعد؟!
[١] الرمضاء: الأرض للشديدة الحرارة. و الرمض - بفتح الراء و الميم - شدة وقع الشمس على الرمل و غيره. و قد رمض يومنا يرمض رمضا - مثل طرب يطرب طربا - أى: اشتد حره. و رمضت قدمه: احترقت بالرمضاء. و الطابق - بفتح الياء - الآجرة الكبيرة، و هو فارس معرب. و قوله «ضجيع حجر» يشير به إلى قوله (تعالى وَقُودُهَا اَلنّٰاسُ وَ اَلْحِجٰارَةُ) و قوله «و قرين شيطان» يشير به إلى قوله تعالى: (قٰالَ قَرِينُهُ رَبَّنٰا مٰا أَطْغَيْتُهُ)
[٢] مالك: هو الموكل بالجحيم، و «حطم بعضها بعضا» معناه كسره أو أكله و الحطمة: من أسماء النار لأنها تحطم ما تلاقيه، و منه سمى الرجل الكثير الأكل حطمة
[٣] اليفن - بالتحريك -: الشيخ المسن، و «لهزه» أى: خالطه، و القتير: الشيب، و يقال: ملهوز، ثم أشمط، ثم أشيب
[٤] نشبت - كفرحت - علقت، و الجوامع: جمع جامعة، و هى الغل و الكيل، لأنها تجمع اليدين إلى العنق