نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٢٠ - ١٧٧ - و من كلام له عليه السّلام
ملتم فيها ميلة كنتم فيها عندى غير محمودين، و لئن ردّ عليكم أمركم إنّكم لسعداء و ما علىّ إلاّ الجهد! و لو أشاء أن أقول لقلت، عفا اللّه عمّا سلف.
١٧٧ - و من كلام له عليه السّلام
و قد ساله ذعلب اليمانى [١] فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: أ فأعبد ما لا أرى؟ فقال: و كيف تراه؟ فقال:
لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، و لكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان قريب من الأشياء غير ملامس [٢]، بعيد منها غير مباين، متكلّم لا برويّة، مريد لا بهمّة، صانع لا بجارحة، لطيف لا يوصف بالخفاء، كبير لا يوصف بالجفاء [٣]، بصير لا يوصف بالحاسّة، رحيم لا يوصف بالرّقّة. تعنو الوجوه
[١] الذعلب - بكسرتين بينهما سكون - فى الأصل الناقة السريعة، و مثله الذعلبة ثم نقل إلى العلمية كما نقلوا بكرا من الفتى من الابل، و نحو ذلك كثير، و «اليمانى» بياء واحدة مخففة، و لا تشدد إلا فى ضرورة الشعر، و مثله الشآمى، و أصلهما بمنى و شأمى، نسبة إلى اليمن و الشأم، فحذفوا إحدى الياءين و عوضوا منها ألفا بعد حرفين من الكلمة
[٢] الملامسة و المباينة على معنى البعد المكانى من خواص المواد، و ذات اللّه مبرأة من المادة و خواصها، فنسبة الأشياء إليها سواء، و هى فى تعاليها، فهى مع كل شىء، و هى أعلى من كل شىء، فالبعد: بعد المكانة من التنزيه، و الروية: التفكر و الهمة: الاهتمام بالأمر بحيث لو لم يفعل لجر نقصا و أوجب هما و حزنا، و الجارحة: العضو البدنى
[٣] إذا وصفت العرب شيئا باللطافة فانما تعنى أنه صغير الحجم و اللّه سبحانه لطيف لكن بمعنى غير هذا المعنى، فهو لطيف بمعنى أنه لا تراه العيون لعدم صحة رؤيتها إياه، فلما شابه اللطيف من الاجسام فى استحالة رؤيته أطلق عليه لفظ اللطيف إطلاقا للفظ السبب على المسبب، و ربما أطلق هذا الاسم عليه تعالى بمعنى أنه يفعل مع عباده الألطاف التى تقربهم من الطاعة و تبعدهم من المعصية بمنه و كرمه. و الجفاء: الغلظ و الخشونة