نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١١٦ - ١٧٤ - و من خطبة له عليه السّلام
عليه و آله و سلم، كان يقول: «يا ابن آدم اعمل الخير و دع الشّرّ فإذا أنت جواد قاصد [١]»
ألا و إنّ الظّلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، و ظلم لا يترك، و ظلم مغفور لا يطلب: فأمّا الظّلم الّذى لا يغفر فالشّرك باللّه، قال اللّه: (إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) و أمّا الظّلم الّذى يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات [٢]، و أمّا الظّلم الّذى لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص هناك شديد! ليس هو جرحا بالمدى [٣] و لا ضربا بالسّياط، و لكنّه ما يستصغر ذلك معه [٤]. فإيّاكم و التّلوّن فى دين اللّه، فإنّ جماعة فيما تكرهون من الحقّ خير من فرقة فيما تحبّون من الباطل [٥] و إنّ اللّه سبحانه لم يعط أحدا بفرقة خيرا: ممّن مضى و لا ممّن بقى.
يا أيّها النّاس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب النّاس، و طوبى لمن
[١] مستقيم أو قريب من اللّه و السعادة. و أصل الجواد القاصد السهل السير الذى ليس بالسريع فيتعب راكبه و لا البطىء فيفوت غرض صاحبه ببطئه
[٢] بفتح الهاء جمع هنة - محركة -: و هى الشىء اليسير و العمل الحقير، و المراد به صغائر الذنوب
[٣] جمع مدية: و هى السكين، و السياط: جمع سوط
[٤] و لكنه العذاب الذى يعد الجرح و الضرب صغيرا بالنسبة إليه
[٥] من يحافظ على نظام الألفة و الاجتماع - و إن ثقل عليه أداء بعض حقوق الجماعة، و شق عليه ما تكلفه به من الحق - فذلك الجدير بالسعادة، دون من يسعى للشقاق و هدم نظام الجماعة و إن نال بذلك حقا باطلا و شهوة وقتية، فقد يكون فى حظه الوقتى شقاؤه الأبدى. و متى كانت الفرقة عم الشقاق، و أحاطت العداوات و اصبح كل واحد عرضة لشرور سواه، فمحيت الراحة، و فسدت حال المغيشة