فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٦٥ - نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيخ حيدر حب اللّه
وأما حديث الشهيد الصدر عن الترجيح بملاك الموافقة للقرآن الكريم فهو أيضاً غير تام ؛ لأنّ صدور نصين متعارضين أحدهما مخالف للقرآن ليس بمستحيل أو بمنفي ؛ والوجه في ذلك أن الأخبار التي تحدّثت عن عدم صدور النصوص المخالفة للقرآن الكريم عن لسان أهل البيت (عليهم السلام) مثل « فهو زخرف » (٣٤)أو « لم نقله » (٣٥)إنّما هي أخبار الطرح ، والتي تكون فيها الرواية منافيةً تماماً للنص القرآني ، كما لو أجازت شرب الخمر مطلقاً ، أما أخبار الترجيح فإنّ ما تعنيه المنافاة فيها إنما هو التنافي بين إحدى الروايتين والكتاب الكريم بنحو العموم والخصوص ، لا بنحو نفي النص القرآني أو روحه برمّته ، فإذا بُني على جواز تخصيص الكتاب بدليل يقيني كان معنى ذلك مطابقة إحدى الروايتين المتعارضتين للكتاب تماماً دون أيّ تنافٍ ، فيما كانت الأخرى مقيّدةً لإطلاقه أو مخصّصة لعمومه ، وحيث كانت الروايتان متيقنتين من حيث ذاتهما ، أعلمَ الإمامُ (عليهم السلام) السائلَ بأنّ الرواية الموافقة للقرآن الكريم هي الصحيحة ، وهذه الصحّة ليست إنباءً غيبياً عن جميع حالات التعارض الآتي من هذا النوع ، بل هي إمّا مؤشر احتمالي من الإمام (عليه السلام) على أنّ غالبيّة الحالات التي تكون من هذا القبيل يكون المطابق منها للواقع هو غير المخالف للكتاب ، فيكشف بالاحتمال القوي عن خطأ اليقين بصدق إحدى الروايتين ، أو مجرّد حكم تعبّدي ليس له إنباء عن الخارج فيكون بنفسه حكماً إلهياً مقطوعاً لفرض سماعه منه (عليه السلام) .
بل ربما أمكن التوقف في هذه النصوص إذا استثنينا أخبار التعارض من مثل نصوص الحثّ على الكتابة للحديث ونشره ، ونصوصِ الإرجاع إلى بعض الشخصيات بأعيانهم وهم من أعاظم الأصحاب ، ونصوصِ عدم جواز التسرّع بردّ الأحاديث نتيجة أذواق شخصية و . . . إذ لا تدلّ على شيء في المقام كم حقّق ذلك مفصلاً الشهيد الصدر نفسه (٣٦).
لا بل يمكننا القول بأن أخبار الترجيح قليلة . . . ظنية ، في سندها كلام ، فلا
(٣٤)الحر العاملي ، وسائل الشيعة ٢٧: ١١٠، ١١١، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، باب٩ ، ح ١٢و ١٤.
(٣٥)المصدر السابق ، ح ١٥.
(٣٦)محمد باقر الصدر ، مباحث الاُصول ٢ : ٤٨٤ـ ٤٩٦؛ وبحوث في علم الاُصول ٤ : ٣٨٤ـ ٣٨٩.