فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٦٩ - مشهورات لا أصل لها الشيخ جهاد عبد الهادي فرحات
وفي بعض المصادر ذكرت تتمة لما سبق ؛ هي أنَّ ذلك بلغ عليّاً (عليه السلام) فقال : « ويح ابن أم ابن عباس ! » (٨٥)، أو قال : « صدق ابن عباس » (٨٦)، أو قال : « ويح ابن اُم الفضل ! إنّه لغوّاص على الهنات » (٨٧).
والرواية بكل ألسنتها إدانة واضحة لأمير المؤمنين (عليه السلام) ؛ حيث إنّه بحسب هذا المضمون يكون (عليه السلام) قد ارتكب حراماً ؛ باعتبار مخالفته للحكم الشرعي المنصوص عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) المشهور في قضيّة هبار بن الأسود الذي روّع زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حين هجرتها إلى المدينة حتى أسقطت ، فأمر الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) سراياه وقال : « إن وجدتم هبار بن الأسود فاجعلوه بين حزمتي حطب وأحرقوه بالنار » ، ثم بعث إليهم فقال : « لا تعذّبوا بالنار ، لا يعذِّب بالنار إلاّ ربّ النار » (٨٨) (٨٩).
وعلى أية حال ، فإنَّ هذه الرواية معارضة بروايات اُخرى من طرقنا وطرق العامّة توضح قضية الإحراق وخصوصياتها بشكل ينتفي فيه الإشكال عن أمير المؤمنين (عليه السلام) .
أمّا من طرق العامّة فقد روى الحميدي عبد الله بن الزبير ( المتوفى سنة ٢١٩هـ)في مسند الحميدي فقال : « حدّثنا سفيان قال : حدّثنا أيوب عن عكرمة قال : لمّا بلغ ابن عباس أنَّ عليّاً أحرق المرتدّين ـ يعني الزنادقة ـ قال ابن عباس : لو كنت أنا لقتلتهم ؛ لقول رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) : « من بدّل دينه فاقتلوه » ، ولم اُحرقهم ؛ لقول رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) : « لا ينبغي لأحدٍ أن يعذّب بعذاب الله » . قال سفيان : فقال عمّار الدهني ـ وهو في المجلس ؛ مجلس عمر بن دينار ، وأيوب يحدّث بهذا الحديث ـ : إنَّ عليّاً لم يحرقهم ، إنّما حفر لهم أسراباً وكان يدخّن عليهم منها حتى قتلهم . فقال عمر بن دينار : أما سمعت قائلهم وهو يقول :
| لتـرمِ بي المنايا حيث شاءت | إذا لم ترمِ بي في الحفرتين |
| إذا ما قرّبوا حطباً وناراً | هناك الموت نقداً غير دين ؟ ! |
(٨٥)مسند أحمد ١ : ٢١٧.
(٨٦)سنن الترمذي ٣ : ١٠.
(٨٧)السنن الكبرى ( للبيهقي ) ٨ : ٢٠٢. البداية والنهاية ٨ : ٣٣٠.
(٨٨)الاُم ( للشافعي ) ٤ : ٢٥٩. ناسخ الحديث ومنسوخه ( لعمر بن شاهين المتوفى سنة ٣٨٥هـ ) : ٤١٥. نيل الأوطار ( للشوكاني ) ٨ : ٧٥. فتح الباري ( لابن حجر ) ٦ : ١٠٥.
(٨٩)فحرمة الإحراق إذاً واضحة لدى عامّة المسلمين ، فكيف يُعذر في ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي كان أخا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) وصهره وجليسه وملازمه في الليل والنهار ، والذي كان أعلم صحابة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) وأقضاهم ، والذي قد علّمه النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ألف باب من العلم يفتح له من كل باب ألف باب . . إلى غير ذلك من مناقب وفضائل لم يشاركه فيها أحدٌ من المسلمين ممّا اتفق عليه الجميع؟!