مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٦٨ - (النوع الثالث) (في القبلة)
يصلّى بمكّة إلى الكعبة فلمّا هاجر إلى المدينة أمره اللّه تعالى أن يصلّى إلى بيت المقدس ثمّ أعيد إلى الكعبة، و قال قوم: كان يصلّى بمكّة إلى بيت المقدس إلّا أنّه كان يجعل الكعبة بينه و بينها، و لا يصلّى إلى غير المكان الّذي يمكن هذا فيه، و قال قوم: بل كان يصلّى بمكّة و بعد قدومه المدينة إلى بيت المقدس، و لم يكن عليه أن يجعل الكعبة بينه و بينها. ثمّ أمره اللّه بالتوجّه إلى الكعبة، و هل كانت صلوته قبل ذلك إلى بيت المقدس على الوجوب؟ قيل نعم، و قيل: كان له أن يتوجّه حيث شاء و لكن اختار التوجّه إلى بيت المقدس، و سيجيء.
الثانية:
وَ لِلّٰهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ [١].
«وَ لِلّٰهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ» يريد بهما ناحيتي الأرض فإنّ الأرض منقسمة إلى المشرق، أي النصف الّذي فيه محلّ طلوع الشمس و إلى المغرب: أي النصف الّذي فيه محلّ غروبها. فله الأرض كلّها لا يختصّ به مكان دون مكان.
«فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا» فعل شرط حذفت نونه بالجزم و أين للمكان و ما زائدة، و المعنى في أيّ مكان فعلتم التولية بمعنى تولية وجوهكم شطر المسجد الحرام بدليل قوله «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» كما تقدّم.
«فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ» أي جهته الّتي أمر بها فإنّ إمكان التولية لا يختصّ بمسجد أو بمكان و المراد: أنّكم إذا منعتم أن تصلّوا في المسجد الحرام أو بيت المقدس كما فهم ذلك من الآية السابقة على هذه و هي قوله «وَ مَنْ أَظْلَمُ» الآية فقد جعلت لكم الأرض مسجدا فصلّوا في أيّ بقعة، و أيّ جزء منها أردتم فإنّ الكلّ للّه، و التوجّه إلى شطر المسجد الحرام غير مخصوص بمكان دون مكان بل هو ممكن في كلّ مكان، و بذلك يندفع و هم من يتوهّم عدم إمكان التوجّه إلى جهة واحدة من جميع الأمكنة كذا في الكشّاف، و
[١] البقرة ١١٥.