مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٤٥ - (كتاب الطهارة)
الراوية غير معلومة الصحّة و لو سلّم لأمكن أن يكون ذلك لكونه أحد أفراد الواجب لا لتعيّنه. و كيف كان فمقتضى الأمر بالمسح وجوب إيصال اليد إلى البشرة نفسها فلو مسح على العمامة لم يجزه عند أكثر العلماء، و أجاز بعض العامّة المسح عليها لما روى عنه (عليه السلام) أنّه مسح على العمامة [١] و أجيب بأنّه لعلّه مسح الفرض على الرأس و البقيّة على العمامة. هذا، و ليس في الآية إشعار بوجوب كون المسح ببقيّة بلل الوضوء بل ظاهرها الإطلاق فيه و في المسح بالماء الجديد، و من ثمّ ذهب جماعة إلى ذلك
[١] رواه ابن تيمية في المنتقى على ما في ص ١٨٤ ج ١ نيل الأوطار عن المغيرة بن شعبة أن النبي (ص) توضأ فمسح بناصيته و على العمامة و الخفين متفق عليه (المتفق عليه في اصطلاحهم ما أخرجه أحمد و مسلم و البخاري) و قال الشوكانى في شرحه: إن البخاري لم يخرجه، و إن المنذرى و ابن الجوزي و هما في ذلك و المصنف قد تبعهما، و ترى الحديث في صحيح مسلم بشرح النووي ج ٣ ص ١٧٣ و في سنن البيهقي ج ١ ص ٥٨ و في ص ٦٠ و ٦١ منه أحاديث تدل على أنه (صلّى اللّه عليه و آله) يدخل يده تحت العمامة و يمسح مقدم رأسه، و نظائر هذا المضمون، و على أى ففي بداية المجتهد ج ١ ص ١٣ بعد نقل منع مالك و الشافعي و أبى حنيفة عن المسح على العمامة، و أجازه أحمد بن حنبل و أبى ثور و القاسم بن سلام، و نقل حديث مسلم، و قال فيه أبو عمرو بن عبد البر: إنه حديث معلول، و في بعض طرقه أنه مسح على العمامة و لم يذكر الناصية.
أقول: و كفى في ضعف الحديث كون المغيرة بن شعبة في طريقه فإنه و إن كان من الصحابة و أهل السنة لا يجترئون على احتمال الكذب على الصحابي و يقولون بعدالة كل الصحابة إلا أنا قد أشبعنا البحث في ذلك في تعليقنا على كنز العرفان ج ٢ ص ١٦٦ فلا نعيد الكلام في ذلك و لا شك في أن الصحابة كانوا يترامون و يتقاذفون يرمى بعضهم بعضا بالكفر و الزندقة، و يقذف بعضهم بعضا بالكذب يشهد بذلك ملاحظة كتب أخبارهم و اعترف بذلك أحمد أمين أيضا في فجر الإسلام ص ٢١٦ الطبعة التاسعة و سرد موارد مما كذب بعضهم بعضا، و سرد موارد منها أيضا الأستاذ محمود أبو رية في كتابه الأضواء على السنة المحمدية انظر ص ٧٠ إلى ٧٢ و ٢٧٩ إلى ص ٣٠٦ الطبعة الثانية، و سرد أيضا موارد منها أيضا البياضي في الصراط المستقيم ج ٣ من ص ٢٣٧ إلى ٢٤٠ و سرد موارد أيضا ابن أبى الحديد في شرحه على نهج البلاغة ج ٢٠ من ص ١٩ إلى ٣٠ و فيه بعد ذلك من أراد أن ينظر إلى اختلاف الصحابة و طعن بعضهم على بعض فلينظر في كتاب النظام فأهل السنة في ذلك أتم مصداق للمثل المعروف بالفارسية (كاسه گرمتر از آش) و العجب من تعديلهم الصحابة و عد إجازتهم عليهم الخطاء، و إجازة كثير منهم المعاصي على الأنبياء و الحاصل أن الصحابي أيضا كغيره لا يكتفى في قبول قوله بمجرد كون الراوي صحابيا ما لم نتعاهد حاله فهلم معى أيها القاري نتصفح صفحات التاريخ لكي نستعلم حال المغيرة بن شعبة.
إن المغيرة بن شعبه لم يؤمن باللّه و لم يظهر الإسلام إلا حقنا لدمه من بنى مالك، و حفظا لأمواله التي اقترفها عنهم غدرا بهم انظر قصة إسلامه في الطبقات لابن سعد ج ٤ ص ٢٨٤ ط بيروت نقلا عن نفسه، و قال ابن أبى الحديد في ج ٢٠ ص ٨ و كان إسلام المغيرة من غير اعتقاد صحيح و لا إنابة و نية جميلة كان قد صحب قوما في بعض الطرق فاستغفلهم و هم نيام فقتلهم و أخذ أموالهم و هرب خوفا أن يلحق فيقتل أو يؤخذ ما فاز به من أموالهم فأظهر الإسلام و كان رسول اللّه (ص) لا يرد أحدا على إسلامه أسلم عن علة أو أسلم عن إخلاص فامتنع بالإسلام، و حمى جانبه. ثم نقل قصة إسلامه عن الأغاني، و في البحار ج ٨ ص ٧٢٨ و روى صاحب كتاب الغارات عن أبى صادق عن جندب بن عبد اللّه قال: ذكر المغيرة بن شعبة عند على وجده مع معاوية فقال: و ما المغيرة؟
إنما كان إسلامه لفجرة و غدرة غدرها بنفر من قومه فهرب من قومه فاتى النبي (ص) كالعائذ بالإسلام، و اللّه ما رأى عليه أحد منذ ادعى الإسلام خضوعا و لا خشوعا قلت: و لعله إلى ذلك و غيره يشير كلامه (عليه السلام) في نهج البلاغة لعمار و قد سمعه يراجع المغيرة من الحكم الرقم ٤٠٥! دعه يا عمار فإنه لم يأخذ من الدين إلا ما قاربه من الدنيا و على عمه لبس على نفسه ليجعل الشبهات عاذرا لسقطاته. كان المغيرة من الدهاة انظر ج ٤ ص ٤٠٦ من اسد الغابة و ج ٣ ص ٤٣٢ الرقم ٨١٨١ من الإصابة و الاستيعاب بذيل الإصابة ص ٣٦٨ و المخبر للنسابة محمد بن حبيب البغدادي ص ١٨٤ كان المغيرة أول من رشا في الإسلام انظر المعارف لابن قتيبة ص ٢٤٣ و لطائف المعارف ص ١٤ و كان المغيرة بن شعبة من الزناة بل أزنى الناس انظر لطائف المعارف ص ١٠٠ و اسد الغابة و قصة زناه مع أم جميل مسطورة في أكثر الكتب ففي وفيات الأعيان ج ٢ ص ٤٥٥ ترجمة يزيد بن زياد الحميري، و في السنن الكبرى للبيهقي ج ٨ ص ٢٣٥ و المستدرك للحاكم ج ٣ ص ٤٤٨ و المهذب لأبي إسحاق الشيرازي ج ٢ ص ٣٣٣ و في شرح نهج البلاغة ج ١٢ من ص ٢٢٧ إلى ٢٤٦ نقلا عن تاريخ الطبري و الأغاني، و فيه في ص ٢٣١ أنه لا شك أنه زنى بالمرئة و في ص ٢٣٩ فهذه الاخبار كما تراها تدل على متأملها على أن الرجل زنى بالمرئة، و كل كتب التواريخ و السير تشهد بذلك، و فيه قد روى المدائني أن المغيرة كان أزنى الناس في الجاهلية فلما دخل في الإسلام قيده الإسلام و بقيت عنده منه بقية ظهرت في أيام ولايته البصرة، و لا أظن أحدا له أدنى معرفة بالتاريخ يشك في أنه كان مبغضا لعلي أمير المؤمنين (ع) الذي شهد بطهارته الرب الجليل، و تواتر الحديث معنى عن النبي أن مبغضة منافق فكفى عليه بذلك عارا و شنارا، و ذكر ابن أبى الحديد في ج ٢٠ ص ٣٥ أن برأيه على (ع) منه معلومة جارية مجرى الأخبار المتواترة فمع ذلك كله هل يطمئن نفوسنا بصدق كل ما رواه المغيرة بصرف كونه من الصحابة ثم الأشهر في المغيرة ضم الميم، و حكى النووي في التهذيب الأسماء و اللغات ج ٢ ص ١٠٩ الرقم ١٦٠ كسرها أيضا و هو من ثقيف بن بكر بن هوازن مات سنة خمسين و قيل إحدى و خمسين اتفق البخاري و مسلم من أحاديثه على تسعة و انفرد البخاري بحديث و لمسلم حديثان.