مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٧٤ - (النوع الرابع) (في مقدمات أخر للصلاة)
فيبقى الباقي على الوجوب. ثمّ خاطبهم اللّه تعالى مرّة أخرى فقال:
«يٰا بَنِي آدَمَ لٰا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطٰانُ» أي لا يضلّنّكم عن الدين، و لا يصرفنّكم عن الحقّ بأن يدعوكم إلى المعاصي الّتي تميل إليها النفوس.
«كَمٰا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ» كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها، و محلّه النصب على المصدريّة: أي فتنة مثل إخراج أبويكم لأنّ هذا الإخراج نوع من الفتنة في أولاده.
«يَنْزِعُ عَنْهُمٰا لِبٰاسَهُمٰا لِيُرِيَهُمٰا سَوْآتِهِمٰا» جملة حالية من أبويكم أو من فاعل أخرج، و اسناد النزع إليه لكونه سببا و صحّ أنّ ينهى الإنسان بصيغة النهي للشيطان لأنّه أبلغ في التحذير من متابعيه و الافتتان به و فيها إيماء إلى أنّ انكشاف العورة و إن كان بين الزوجين لا يخلو من فضيحة و قبح.
«إِنَّهُ يَرٰاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لٰا تَرَوْنَهُمْ» تعليل للنهى و تأكيد للتحذير من فتنته فإنّ من هذا حاله فليتحفّظ منه كمال التحفّظ: أى يكيدون و يغتالون من حيث لا يشعرون بهم.
و استدلّ به صاحب الكشّاف على أنّ الجنّ لا يرون و لا يظهرون للأنس، و أنّ إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، و إنّ زعم من يدّعى رؤيتهم زور و مخرقة، و فيه نظر ظاهر.
«إِنّٰا جَعَلْنَا الشَّيٰاطِينَ أَوْلِيٰاءَ لِلَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ» أى خلينا بينهم و بينهم و لم نكفهم عنهم حتّى تولّوهم و أطاعوهم فيما سولوا لهم من الكفر و المعاصي و اتّبعوهم لأنّهم يتناصرون على الباطل، و هذا تحذير آخر للمؤمنين من متابعة الشيطان أبلغ من الأوّل لتضمّنه أنّ من تابعه فقد اتّخذه وليّا، و فيهما أيضا مبالغة في وجوب استتار العورة. فتأمّل.
الثانية:
يٰا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لٰا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [١].
[١] الأعراف ٣١.