مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٠٤ - (كتاب الطهارة)
فيها أمير المؤمنين عليّا (عليه السلام) لأخذ سورة براءة من أبي بكر و قراءتها على أهل الموسم فقرأها و نادى ألا لا يحجّنّ بعد هذا العام مشرك.
«وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً» أي فقرا و احتياجا بسبب انقطاع السوابل لمنع المشركين من التردّد إلى مكّة للتجارة، و قد كان لكم بقدومهم كسب و إرفاق من جهة المعاش.
«فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ» أي من عطائه أو تفضّله بوجه آخر غير تردّد المشركين، و قد أنجز وعده بأن أرسل السماء عليهم مدارا و وفّق أهل تبالة و جرش [١] فأسلموا و امتازوا لهم. ثمّ فتح عليهم البلاد و الغنائم و توجّه إليهم الناس من أقطار الأرض.
«إِنْ شٰاءَ» قيّده بمشيئته ليقطع الآمال عن طلب الغنا إلّا منه. و قيل: لأنّ الغنا الموعود يكون لبعض دون بعض، و في عام دون عام لأغراض و مقاصد لا يعلمها إلّا اللّه و لهذا ختم الآية بقوله:
«إِنَّ اللّٰهَ عَلِيمٌ» بأحوالكم «حَكِيمٌ» لا يعطى و لا يمنع إلّا عن حكمة و صواب.
التاسعة:
يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [٢].
«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» قد تقدّم الوجه في تخصيص الخطاب بهم.
«إِنَّمَا الْخَمْرُ» الظاهر أنّ المراد به كلّ شراب مسكر، و لا يختصّ بعصير العنب.
[١] تبالة بالفتح و جرش بضم الجيم. ثم الفتح و شين معجمه موضعان باليمن أسلم أهل تبالة و جرش من غير حرب فأقرهما رسول اللّه (ص) في أيدي أهلهما على ما أسلموا عليه، و كان فتحهما في سنة عشر و هما مما يضرب المثل بخصبهما قال لبيد في معلقته المعروفة:
فالضيف و الجار الجنب كأنما * * * هبطا تبالة مخصبا أهفامها
إنما يعني نفسه إذا نزل به الضيف صادف عنده من الخصب و الفواكه و الرطب ما يصادفه بتبالة إذا هبطها. انظر شرح ابن الأنباري على المعلقات ص ٥٨٩.
[٢] المائدة ٩٠.