مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٤ - مقدمة المؤلف
المراد مفصّلا أن يقلّد أحدا من المفسّرين إلّا أن يكون التأويل مجمعا عليه فيجب اتّباعه لمكان الإجماع لأنّ من المفسّرين من حمدت طرايقه، و مدحت مذاهبه كابن عبّاس [١]
[١] هو عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم الصحابي ابن عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أكبر أولاد عباس، و امه لبابة بنت الحارث الهلالية بضم اللام و بباء موحدة مكررة قال الكلبي و محمد بن سعد: هي أول امرأة أسلمت بعد خديجة و كان يقال لابن عباس: حبر الأمة و البحر لكثرة علمه، و قال ابن مسعود نعم ترجمان القرآن، و عاش بعد ابن مسعود نحو خمس و ثلاثين سنة تشد إليه الرحال و يقصد من جميع الإفطار مشهور في الصحيحين، و هو أحد العبادلة الأربعة: ابن عباس و ابن الزبير و ابن عمر و ابن عمرو بن العاص هكذا سماهم أحمد بن حنبل و تبعه بعده سائر المحدثين، و وهم الجوهري حيث عد ابن مسعود منهم. ولد ابن عباس عام الشعب في الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين فتوخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو ابن ثلاث عشرة سنة، و قيل ابن عشر، و هو ضعيف، و قيل ابن خمس عشر، و توفي بالطائف سنة ثمان و ستين، و قيل تسع، و قيل: سنة سبعين، و حكى ابن الأثير قولا إنه سنة ثلاث و سبعين كان ابن عباس من أعظم المخلصين لأمير المؤمنين و أولاده، و لا شك في تشيعه و إيمانه، و هو الذي روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن الأئمة بعده اثنا عشر و أنهم على. ثم الحسن. ثم الحسين. ثم التسعة من ولد الحسين انظر كفاية الأثر المطبوع مع الأربعين للمجلسي بعد الخرائج ص ٢٨٩ إلى ٢٩١ و قد روى الكشي أخبارا ضعيفة تقتضي قدحا أو جرحا و مثل الحبر موضع أن يحسده الناس و ينافسوه و يقولوا فيه و يباهتوه.
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله * * * فالناس أعداء له و خصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها * * * حسدا و بغيا إنه لدميم
قال العلامة في الخلاصة ص ١٠٣ ط النجف: عبد اللّه بن العباس من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان محبا لعلى (عليه السلام)، و تلميذه حاله في الجلالة و الإخلاص لأمير المؤمنين (عليه السلام) أشهر من أن يخفى، و قد ذكر الكشي أحاديث تتضمن قدحا فيه و هو أجل من ذلك و قد ذكرناها في كتابنا الكبير، و أجبنا عنها. انتهى، و إلى الان لم يقف أحد على نسخة من الكتاب المذكور كما ذكره القاضي نور اللّه في مجالس المؤمنين، و عن الشهيد الثاني جملة ما ذكره الكشي من الطعن عليه خمسة أحاديث كلها ضعيفة السند، و اللّه أعلم بحاله انتهى.
و في نهج البلاغة الكتاب ٤١ من باب الكتب و الرسائل: و من كتاب له (عليه السلام) إلى بعض عماله أما بعد فانى كنت أشركتك في أمانتي. إلى آخر الكتاب يدل على خيانة المكتوب إليه و تقريع الامام (عليه السلام) إياه، و قد اختلف في المكتوب إليه هذا الكتاب و اشتهر أنه عبد اللّه بن العباس، و قيل: إنه عبيد اللّه، و قال ابن أبى الحديد عند شرح الكتاب: و أنا في هذا الموضع من المتوقفين انظر ص ١٧٢ ج ١٦ الطبعة الأخيرة.
قلت: و أما أنا فلست في ذلك بمتوقف و لا أشك أن المكتوب إليه هذا الكتاب عن الامام (عليه السلام) ليس عبد اللّه بن العباس، و ما أحسن أن نحكم في ذلك عقولنا، و العقل هو الحجة الباطنة قل فلله الحجة البالغة يحدثنا التاريخ قطعيا مشافهة ابن عباس لمعاوية بعد وفاة على (عليه السلام) و محاجته معاوية و خواصه من عمرو بن العاص و نظرائه ممن كانوا يتهالكون على عد عيب له بقوارع الكلام و شديد الخصام، و كفاك في ذلك مراجعة العقد الفريد فرش كتاب المجنبة و الأجوبة جواب ابن عباس لمعاوية و أصحابه و مجاوبة بنى هاشم و غيره من كتب السير و التواريخ أنشدكم باللّه هل يعقل صدور مثل هذه القوارع عن الخائن المؤنب عن مولده؟ و هل يفحم مثل هذه الخصوم من الخائن المؤنب؟ حاشا و كلا كلا ثم كلا، و كان ابن عباس أول من أملى في تفسير القرآن، و قد تلقاه من مولاه على أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال نفسه، ما أخذت من تفسير القرآن فمن على بن أبى طالب انظر مناهل العرفان ج ١ ص ٤٨٦ و أما أول من صنف في التفسير فهو على ما ذكره السيد الصدر(قدّس سرّه) في تأسيس الشيعة ص ٣٢٢ سعيد ابن جبير.
و على أى فلا يكاد ينكر قيمة ابن عباس في التفسير إنما الشأن كل الشأن ثبوت التفسير عنه فإن أكثر الطرق إليه ضعيفة انظر الإتقان ج ٢ ص ١٨٧ النوع الثمانون، و فيه في ص ١٧٩ أن الشافعي كان يقول لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث. انتهى، و لعل السر في كثرة الوضع عليه كونه جد الخلفاء العباسيين يتقرب إليهم بكثرة المروي عن جدهم و لابن عباس تفسير ذكره ابن النديم ص ٥٧ في كتب التفسير قال: و روى التفسير عن ابن عباس مجاهد و هو أبو الحجاج المقري المفسر المكي مجاهد بن جبير المتوفى بالسجدة سنة ١٠٢ أو ١٠٣ و ذكر أنه رواه عن مجاهد حميد بن قيس المتوفى في زمن السفاح و أبو نجيح، و رواه عن أبى نجيح، و رقاء عيسى بن ميمون. انتهى، و قد نسب إلى ابن عباس جزء كبير في التفسير باسم تنوير المقياس من تفسير ابن عباس جمعه محمد بن يعقوب الفيروزآبادي صاحب القاموس المحيط طبع في مصر مرارا يسوق الرواية عند الكلام عن البسملة بهذا السند، أخبرنا عبد اللّه الثقة ابن المأمون الهروي قال: أخبرنا أبى قال أخبرنا أبو عبد اللّه محمود بن محمد الرازي قال:
أخبرنا عمار بن عبد المجيد الهروي قال: أخبرنا على بن إسحاق السمرقندي عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس، و يسوق الكلام عند تفسير أول البقرة بإسناده عن عبد اللّه بن المبارك قال: حدثنا على بن إسحاق السمرقندي عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس، يبدو لنا جليا أن جميع ما روى عن ابن عباس في هذا الكتاب يدور على محمد بن مروان عن محمد بن السائب الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس، و محمد بن مروان هو المعروف بالسدى الصغير قد طعن عليه الفريقان الشيعة و السني فحرى أن يقال في حقه المثل المعروف بالفارسية (چوب هر دو سر طلا).
ففي الجرح و التعديل القسم الأول من المجلد الرابع ص ٨٦ الرقم ٣٦٤ عن يحيى بن معين قال: السدى الصغير صاحب الكلبي اسمه محمد بن مروان مولى الخطابيين و ليس بثقة، و فيه عن عاصم الهسنجانى قال: سمعت جريرا يقول: محمد بن مروان كذاب يعنى صاحب الكلبي و فيه قال عبد الرحمن: سمعت أبى يقول: هو ذاهب الحديث متروك الحديث لا يكتب حديثه البتة، و في ميزان الاعتدال ج ٤ ص ٣٢ الرقم ٨١٥٤ قال ابن معين ليس بثقة، و قال أحمد: أدركته و قد كبر فتركته، و قال ابن عدا: الضعف على روايته بين، و فيه في ترجمة السدى الكبير أيضا، و أما السدى الصغير يروى عن الأعمش واه.
و في الباب ج ١ ص ٥٣٧ عند ذكره و كان ضعيفا و اه الحديث.
و في معجم الأدباء ج ٧ ص ١٥ و كان يحيى بن معين يقول: السدى الصغير محمد بن مروان صاحب التفسير ليس بثقة، و قال البخاري: محمد بن مروان الكوفي صاحب الكلبي لا يكتب حديثه البتة و سئل أبو على جهرة عنه فقال: كان ضعيفا، و كان يضع الحديث، و كل ضعفه، و في تنزيه الشريعة عن الاخبار الشنيعة للكنانى ج ١ ص ١١٣ الرقم ٢٦١ محمد بن مروان السدى قال ابن نمير: كذاب، و قال صالح بن محمد: كان يضع الحديث، و في ذيل الإكمال ج ٤ ص ٥٦٨ عن ابن ناصر، و أما السدى الصغير فهو محمد بن مروان صاحب الكلبي كذبه أصحاب الحديث و تركوه و نقل نظيره عن الاستدراك، و في روضات الجنات ص ١٠٢ بعد ترجمة إسماعيل بن عبد الرحمن هذا هو السدى الكبير في مقابلة السدى الصغير الذي هو محمد بن مروان بن عبد اللّه بن إسماعيل السدى الكوفي و كان متهما بالكذب، و في أعيان الشيعة القسم الأول من الجزء الأول الطبعة الثالثة ص ٣٦٤، و أما السدى الصغير محمد بن مروان فالظاهر أنه ليس من الشيعة و هو يروى عن السدى الكبير، و في تأسيس الشيعة للسيد الصدر ص ٣٢٦ و السدى الصغير ليس من الشيعة، و هو محمد بن مروان بن عبد اللّه بن إسماعيل، و إنما ذكرناهما للتمييز، و حتى لا يقع التوهم فيهما باشتراك اللقب و كذلك ترى في منهج المقال ص ٣٩٩ و كذا منتهى المقال ص ٣٦٢ أنه متهم بالكذب نقلا من التقريب، و كذا في التقريب ص ٣٣٨.
ثم إن أبا صالح الذي يروى عنه الكلبي إنما هو باذان أو باذام مولى أم هانئ قال البخاري في التاريخ الكبير في الجزء الأول من القسم الثاني ص ١٤٤ الرقم ١٩٨٨، باذام أبو صالح مولى أم هانئ الهاشمي كوفي قال محمد بن بشار: ترك ابن مهدي حديث أبى صالح، و فيه كان مجاهد ينهى عن تفسير أبى صالح، و يقال باذان، و فيه عن حبيب بن أبى ثابت قال: كنا نسمي أبا صالح باذام دروغزن، و في ميزان الاعتدال ج ١ ص ٢٩٦ الرقم ١١٢١ باذام أبو صالح (عو) تابعي ضعفه البخاري، و قال النسائي: باذام ليس بثقة، و فيه كان الشعبي يمر بأبى صالح فيأخذ باذنه فيهزها و يقول: ويلك تفسر القرآن و أنت لا تحفظ القرآن، و فيه عن سفيان قال: قال الكلبي: قال لي أبو صالح: كلما حدثتك كذب، و فيه قال ابن معين: إذا روى عنه الكلبي فليس
بشيء.
و في تنزيه الشريعة للكنانى ص ٤١ ج ١ باذام أبو صالح مولى أم هانئ و هو بالكنية أشهر أقر بالكذب فيما رواه الكلبي لكن الكلبي ليس بشيء، و في تفسير الطبري ج ١ ص ٤٠ كان الشعبي يمر بأبى صالح بأذان فيأخذ باذنه فيعركها و يقول: تفسر القرآن و أنت لا تقرأ القرآن و سيأتي منا تتمة كلام عند سرد الشيخ(قدّس سرّه) بعيد ذلك أبا صالح في المفسرين و قال السيوطي في الإتقان ج ٢ ص ١٨٩ عند ذكره طرق التفسير إلى ابن عباس: و أوهى طرقه طريق الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس فان انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدى الصغير إليه فهي سلسلة الكذب.
قلت: و ذلك لان الكلبي مقدوح عند كثير من أهل السنة و إلا فهو ممدوح عند الشيعة و ستعرف الكلام فيه، و الحاصل أن تطرق الضعف في إسناد تفسير تنوير المقباس بهذا الحد الذي قد عرفته يفقدنا الثقة بكل ما روى فيه فليس له قيمة إسنادية نعم لم يفقد غالبا قيمته العلمية فإن من يضع في التفسير شيئا و ينسبه إلى ابن عباس مثلا لا يضعه على أنه مجرد قول يلقيه على عواهنه، و إنما هو رأى له و اجتهاد منه في تفسير الآية أراد لرأيه رواجا و قبولا فنسبه إلى ابن عباس و ربما يكون رأيه صحيحا فله قيمة العلمية، و إن لم يكن لنسبته إلى ابن عباس قيمة إسنادية.
و اتهم ابن عباس جولدزيهر في كتابه المذاهب الإسلامية في التفسير من ص ٦٥ إلى ٦٧ بأخذه التفسير من الاسرائيليات: قال، و قد دخل بعض هؤلاء اليهود في الإسلام فتسرب منهم إلى المسلمين كثير من هذا الاخبار و دخلت في تفسير القرآن يستكملون بها الشرح و لم يتحرج حتى كبار الصحابة مثل ابن عباس عن أخذ قولهم روى أن النبي (ص) قال: إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم و لا تكذبوهم، و لكن العمل كان على غير ذلك و إنهم كانوا يصدقونهم و ينقلون عنهم قلت: أهل مكة أعرف بشعابها و أهل الإسلام أحق بمعرفة رجالهم و لا يجدر بمثل جولدزيهر إظهار النظر في رجال الإسلام سيما مثل ابن عباس حبر الأمة أجل إن ابن عباس و غيره من الصحابة كانوا يسألون علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام عن بعض القصص و الاخبار الماضية و لم يكونوا يقبلون كل ما يروى لهم على أنه صواب لا يتطرق إليه شك بل كانوا يحكمون دينهم و عقلهم فما اتفق الدين و العقل صدقوه و ما خالف ذلك نبذوه و ما سكت عنه القرآن و احتمل الصدق و الكذب توقفوا فيه، و كيف يستبيح ابن عباس لنفسه أن يحدث عن بني إسرائيل و قد كان نفسه من أشد الناس نكيرا على ذلك، روى البخاري في صحيحه في كتاب الشهادات قبل كتاب الصلح بباب، و تراه في فتح الباري ج ٦ ص ٢٢٠ الطبعة الأخيرة عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين تسألون أهل الكتاب و كتابكم الذي أنزل على نبيه أحدث الاخبار باللّه تقرؤونه لم يشب، و قد حدثكم اللّه أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب اللّه و غيروا بأيديهم الكتاب فقالوا. هذا من عند اللّه ليشتروا به ثمنا قليلا أ فلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم و لا و اللّه ما رأينا رجلا منهم قط يسألكم عن الذي أنزل إليكم.
و قد كررت هذا البيت في كثير من المجالس:
مرا درديست اندر دل اگر گويم زبان سوزد * * * و گر پنهان كنم ترسم كه مغز استخوان سوزد
لما نرى من اغترار الشبان بما يذكره المستشرقون و افتتانهم بتوسعهم في الصناعات من اختراع السيارات و الطيارات، و يتوهمون أن توسعهم في الصناعات دليل على صحة ما يذكرونه في أخبار الإسلام أيضا و يمشون ورائهم في ذلك و أين أحدهما من الأخر. انظر ترجمة ابن عباس في أسد الغابة ج ٣ ص ١٩٢ و الإصابة ج ٢ ص ٣٢٢ الرقم ٤٧٨١ و الاستيعاب ذيل الإصابة ج ٢ ص ٣٤٢ و تهذيب الأسماء و اللغات ج ١ ص ٢٧٤ الرقم ٣١٢ و الدرجات الرفيعة ص ٩٩ و سفينة البحار ج ٢ ص ١٥٠ (ع ب س) و حلية الأولياء ج ١ ص ٣١٤ و نسب قريش ص ٢٦ و الطبقات لابن سعد ج ٢ ص ٣٦٥ و تأسيس الشيعة ص ٣٢٢ و ٣٤١ و قاموس الرجال ج ٦ ص ٢ و كتب التواريخ و السير و شروح نهج البلاغة.