مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٦٦ - (كتاب الطهارة)
لعدم صحة التجزّي و ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب و هذا قول بعض العامّة [١] و لا يخفى ما فيه من الضعف فإنّه إن امتنع التجزّي لم يفد غسل البعض و إلّا فلا حاجة إلى مسح ما غسّله أوّلا و لتعذر النيّة لعدم تحقّقها بدون الرفع و الاستباحة و لا يحصل شيء منهما لكون غسل البعض غير رافع و لا مبيح، و خالف هنا بعض العامّة فأوجب استعمال ذلك الماء في بعض الأعضاء و التيمّم للباقي و هو ضعيف، و يؤيّد ما قلناه قوله تعالى في كفّارة اليمين «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ» و قد حكم الجميع بأنّه لو وجد إطعام أقلّ من العشرة انتقل فرضه إلى الصوم، و هذا بخلاف ما لو وجب على المكلّف طهارتان و وجد من الماء ما يكفي لأحدهما فإنّه يستعمله و يتيمّم عن الأخرى لكون كلّ منهما منفصلة عن الأخرى.
«فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» فتعمّدوا و اقصدوا شيئا من الصعيد طاهرا، و قد اختلف كلام أهل اللغة في الصعيد ففي الصحاح: إنّه التراب، و نقله ابن دريد في الجمهرة عن أبي عبيدة، و نقل في الكشّاف عن الزجّاج أنّه وجه الأرض ترابا كان أو غيره و إن كان صخرا لا تراب عليه، و قريب منه ما نقله الجوهريّ عن تغلب، و من هنا نشأ الاختلاف في جواز التيمّم على الحجر مع وجود التراب. فالأكثر من أصحابنا على الجواز نظرا إلى أنّه من الصعيد، و يؤيّده ظاهر قوله تعالى «صَعِيداً زَلَقاً» و المراد الصخر الأملس و وافقهم في ذلك أبو حنيفة و أصحابه، و ذهب آخرون منهم إلى عدم الجواز نظرا إلى عدم دخوله في اسم الصعيد، و إلى هذا يذهب الشافعيّة، و قد يترجّح بقوله «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ» أى من بعضه كما هو مقتضى- من- التبعيضيّة، و ظاهر أنّ هذا لا يتأتى في الصخر الّذي لا تراب عليه، و قول الأوّلين إنّ- من- لابتداء الغاية بعيد بل ادّعى صاحب الكشّاف أنّه لا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدهن و من التراب إلّا معنى التبعيض، و قوله فيما يتعلّق بالعربيّة مقبول. إذ لم يكن له معارض و يؤيّد كونها للتبعيض ما في صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) في حديث طويل [٢] قال
[١] انظر المغني لابن قدامة ج ١ ص ٢٣٧ و ٢٣٨.
[٢] إشارة إلى الحديث المار ذكره في ص ٤٣.