مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٥٢ - (النوع الثامن) (في أحكام متعددة تتعلق بالصلاة)
السابعة:
يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرٰاشاً وَ السَّمٰاءَ بِنٰاءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرٰاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلٰا تَجْعَلُوا لِلّٰهِ أَنْدٰاداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [١].
«يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ» ظاهرها الأمر بالعبادة المتعلّقة بأفعال الجوارح و نقل عن ابن عبّاس أنّه قال: معناه وحّدوه. و قال الشيخ في التبيان: و الأقوى حمله على عمومه في كلّ ما هو عبادة للّه من معرفته و معرفة أنبيائه، و العمل بما أوجبه عليهم و ندبهم إليه، و الخطاب متوجّه إلى جميع الناس مؤمنهم و كافرهم إلّا من كان غير مكلّف من الأطفال و المجانين، و ما يروي عن ابن عبّاس و الحسن أنّ ما في القرآن من يا أيّها الناس فمكّى، و يا أيّها الّذين آمنوا فمدنيّ إن صحّ [٢] لا يوجب التخصيص بالكفّار
[١] البقرة ٢١.
[٢] قال الزركشي في البرهان ج ١ ص ١٨٩ ما نصه: و ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب فضائل القرآن حدثنا وكيع عن الأعمش عن علقمة قال: كل شيء نزل فيه يا أيها الناس فهو بمكة، و كل شيء نزل فيه يا أيها الذين آمنوا فهو بالمدينة، و هذا مرسل قد أسند عن عبد اللّه بن مسعود، و رواه الحاكم في مستدركة في آخر كتاب الهجرة عن يحيى بن معين قال:
حدثنا وكيع عن أبيه عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه بن مسعود به.
و رواه البيهقي في أواخر دلائل النبوة، و كذا رواه البزار في مسنده ثم قال: و هذا يرويه غير قيس عن علقمة مرسلا و لا نعلم أحدا أسنده الا قيس. انتهى. و رواه ابن مردويه في تفسيره في سورة الحج عن علقمة عن أبيه و ذكر في آخر الكتاب عن عروة بن الزبير نحوه، و قد نص على هذا القول جماعة من الأئمة منهم أحمد بن حنبل و غيره و به قال كثير من المفسرين و نقله ابن عباس، و هذا القول إن أخذ على إطلاقه ففيه نظر فإن سورة البقرة مدنية، و فيها يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ، و فيها يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ كُلُوا مِمّٰا فِي الْأَرْضِ حَلٰالًا طَيِّباً، و سورة النساء مدنية، و فيها يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ، و فيها إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّٰاسُ، و سورة الحج مكية و فيها يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا فإن أراد المفسرون إن الغالب ذلك فهو صحيح، و لذا قال: مكي هذا إنما هو في الأكثر و ليس بعام و في كثير من السور المكية يا أيها الذين آمنوا انتهى، و الأقرب تنزيل قول من قال مكي أو مدني على أنه خطاب المقصود به أو جل المقصود به أهل مكة يا أيها الذين آمنوا كذلك بالنسبة إلى أهل المدينة: و في تفسير الرازي عن علقمة و الحسن أن ما في القرآن يا أيها الناس مكي، و ما كان يا أيها الذين آمنوا فبالمدينة و إن القاضي قال: إن كان الرجوع في هذا إلى النقل فمسلم، و إن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة فضعيف إذ يجوز خطاب المؤمنين بصفتهم و اسمهم و جنسهم، و يؤمر غير المؤمنين بالعبادة كما يؤمر المؤمنون بالاستمرار عليها و الازدياد منها اه. انتهى ما في البرهان.