مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٠٣ - (النوع التاسع)
«بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ» أي بأوقات الغدوات و العشيّات أوّل النهار و آخره وقت العصر فإنّهما أفضل الأوقات و أبعدها عن الرياء لعدم اطلاع الناس بهما. إذ أكثرهم مشغولون بحالهم في منازلهم بخلاف سائر الأوقات. فتكون الآية جامعة لما ينبغي في الذكر من الفعل و الوقت، و يحتمل أن يكون المراد بهما الدوام على الفعل. ثمّ أكّد الأمر بالذكر بقوله.
«وَ لٰا تَكُنْ مِنَ الْغٰافِلِينَ» الّذين يغفلون عن ذكر اللّه و يلهون عنه فيحتمل كون النهي للتحريم لكن إذا عمّت الغفلة جميع الأوقات و استغرقتها لظهور تحريم ترك الصلاة المشتملة على الذكر، و يحتمل كونه للكراهة، و المراد الحثّ على عدم الغفلة في شيء من الأوقات عن ذكر اللّه و الاستمرار عليه ليتنوّر جوهر النفس و يستعدّ لقبول الإشراقات القدسيّة فيضا هي سكان حظائر الجبروت الّذين مدحهم اللّه بقوله:
«إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ» و هم الملائكة- (صلوات اللّه عليهم)- و معنى عند دنو الزلفة و القرب من رحمة اللّه لا قرب المكان.
و يمكن أن يراد ما يعمّ جميع المقرّبين من الملائكة و غيرهم الفائزين لمزيد الفضل و الرحمة و علوّ الدرجة. فتأمّل.
«لٰا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِهِ» أي هم مع جلالة قدرهم و علوّ أمرهم يعبدون اللّه و يذكرونه، و المراد إنّكم إن استكبرتم عن عبادته فمن هو أعظم حالا منكم لا يستكبر عنها.
«وَ يُسَبِّحُونَهُ» و ينزّهونه عن كلّ سوء، و هذا يرجع إلى المعارف و العلوم.
«وَ لَهُ يَسْجُدُونَ» و يخصّونه بالعبادة و التذلّل لا يشركوا به غيره و هذا يرجع إلى إعمال الجوارح.
و يجوز أن يكون في الكلام تعريض بمن عداهم من المكلّفين و المقصود أنّ الملائكة مع غاية طهارتهم و نهاية عصمتهم و براءتهم عن بواعث الشهوة و الغضب و دواعي الحقد و الحسد مواظبون على العبادة و الطاعة. فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الطبيعة و كدورات الزلّات البشريّة أولى بأن يداوم على ذكر معبوده ليصفّى مرآت