مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٨٦ - (كتاب الطهارة)
تصنعون عند الوضوء و عند الغائط فقالوا: يا رسول اللّه نتّبع الغائط الأحجار الثلاثة ثمّ نتّبع الأحجار الماء فتلا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الآية.
فعلى الأوّل فيها دلالة على استحباب إزالة الغائط مطلقا بالماء، و إن جاز بالأحجار على أن يكون أفضل الفردين كما قاله الفقهاء لأنّه أقوى المطهّرين لإزالته العين و الأثر.
و على الثاني فيها دلالة على استحباب الجمع بينهما لما فيه من المبالغة في الاستظهار و قد ذكر الفقهاء ذلك أيضا، و يستفاد منها استحباب المبالغة في الاجتناب عن النجاسات و إنّ ترتّب الثواب على العمل لا يشترط فيه العلم بذلك فلو فعله جاهلا به ترتّب عليه ثوابه، و في الأخبار دلالة على ذلك أيضا، و قد يستفاد من الآية استحباب الكون على الطهارة، و استحباب المبالغة في الاجتناب عن المحرّمات و المكروهات و الحرص على الطاعات و الحسنات و نحوها بيان ذلك أنّ الطهارة هنا ليست مخصوصة بمعناها الشرعيّ الّذي هو رفع الحدث أو استباحة الصلاة اتّفاقا فلم يبق إلّا معناها اللغويّ: أي النزاهة و النظافة، و هو يعمّ جميع ذلك كما لا يخفى، و إلى هذا نظر البيضاوي حيث قال: أى المتنزّهين عن الفواحش و الأقذار و الإتيان في غير المأتي، و في الكشّاف أنّه عامّ في التطهير من النجاسات كلّها.
السادسة:
وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ [١].
«وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً» أى مطرا فالمراد بالسماء إمّا السحاب بناء على أنّ كلّ ما علا يطلق عليه السماء لغة، و لذا سمّوا سقف البيت سماء، و إمّا الفلك بمعنى أنّ ابتداء نزول المطر منه إلى السحاب، و من السحاب إلى الأرض.
«لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ» لعلّ المراد بتطهير اللّه إيّاهم توفيقهم للطهارة أو الحكم بها بعد استعمال الماء على الوجه المعتبر: أى من الحدث و الجنابة.
[١] الأنفال ١١.