مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٣٤ - (النوع الثامن) (في أحكام متعددة تتعلق بالصلاة)
و ربّما قيل في الآية: إنّ الردّ بالأحسن للمسلمين، و الردّ بالمثل لأهل الذمّة و هو بعيد لكونه خلاف الظاهر فإنّ ظاهر الآية اختصاصه بالمسلمين. إذ لا يحسن التحيّة للكفّار بوجه بل يجب بغضهم و عدم محبّتهم فإنّهم ممّن حارب اللّه و رسوله فلا يجوز مودّتهم بتحيّة و لا بغيرها، و ما أجازه بعض العامّة من البدأة بالتسليم عليهم بعيد لا وجه له، و في الآية وجهان آخران:
أحدهما: حمل التحيّة على السلام و غيره من أنواع البرّ و قد ذكره الشيخ الجليل عليّ بن إبراهيم في تفسيره، و لعلّه رواه عن الأئمّة (عليهم السلام).
و فيه بعد لعدم تصريحه بالرواية عنهم (عليهم السلام) و أيضا فالظاهر منها التحيّة العالية المتعارفة بين المسلمين بعد ما رفع ما كان متعارفا في الجاهليّة فالحمل عليه بخصوصه أولى من حمله على ذلك و على غيره مع أنّ الظاهر أنّه لا قائل بوجوب تعويض كلّ برّ و إحسان.
الثاني: حمل التحيّة على العطيّة و هو قول الشافعي، و كان في القديم يوجب عوض العطيّة أو ردّها على الواهب، و لا يخفى بعده عن الظاهر فإنّ المتبادر منها ما عرفت من التحيّة الخاصّة مع أنّ الأصل عدم وجوب ردّ العوض و إثباته بهذه الآية المجملة بعيد بل ردّها مذموم شرعا كما وقع التصريح به في الأخبار، و على هذا فلا وجه للإيجاب بمثل هذا الاحتمال البعيد عن الظاهر، و بالجملة الظاهر المتبادر من الآية السلام المتعارف بين المسلمين، و لهذا لا خلاف في وجوب ردّه فيحمل الآية عليه و غيره لا يعلم كونه مرادا فيترك عملا بالأصل.
الثانية:
قُلْ إِنَّ صَلٰاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ لٰا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [١].
«قُلْ إِنَّ صَلٰاتِي وَ نُسُكِي» أي عباداتى كلّها، و النسك في الأصل العبادة يقال:
رجل ناسك: أي عابد فهو تعميم بعد تخصيص أو المراد قرباتى، و منه النسيكة الذبيحة
[١] الانعام ١٦٢.