مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٨٨ - (كتاب الطهارة)
و الامتنان بأحد الشيئين الممتنّ بهما إذا كان أحدهما أبلغ و أكثر وجودا و أعمّ نفعا فجاز كون التخصيص بالماء لذلك لا لكونه مختصّا بالحكم.
ثمّ إنّه وجّه في الاحتجاج بالاية طريقا آخر حاصله: أنّ النجاسة و الطهارة حكمان شرعيّان يطريان على المحلّ فإذا ثبت أحدهما لم يرتفع إلّا بدليل من الشرع استصحابا لما ثبت فمع الحكم بالنجاسة إذا غسل بالماء المطلق يطهر بظاهر الآية، و غيره لا يطهر تمسكا بالاستصحاب و عدم وجود دليل، و لا يخفى أنّ الاعتراض وارد و التوجيه [١] بعيد لأنّ مرجعه الاحتجاج على كون الماء المطلق مطهّرا بالآية و على نفى طهوريّة المضاف بالاستصحاب و هو خروج عن الوجه المستدلّ به إلى وجه آخر، و الحاصل أنّ كون الماء المطلق مطهّرا أمر معلوم من الآية إنّما الكلام في دلالة الآية على نفى كون غيره مطهّرا، و حديث الاستصحاب أجنبيّ منه. إذ يمكن تقريبه من دون ملاحظة الآية فيقال: النجاسة و الطهارة حكمان شرعيّان، و قد ثبت بالضرورة كون الماء المطلق في الجملة مطهّرا فإذا غسل به النجس طهر و مع غسله بغيره لم يطهر عملا بالاستصحاب.
و اعلم أنّ المستفاد من أكثر الآيات أنّ المياه النابعة في الأرض كلّها أو جلّها من المطر كقوله تعالى «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَسَلَكَهُ يَنٰابِيعَ فِي الْأَرْضِ» [٢] و قوله تعالى «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَ نُسْقِيَهُ مِمّٰا خَلَقْنٰا أَنْعٰاماً وَ أَنٰاسِيَّ كَثِيراً» [٣] و قوله
[١] يمكن تقرير التوجيه بما يندفع عنه البعد بأن يقال: الشيء إذا حكم بنجاسته شرعا فالحكم بطهارته يتوقف على حكم الشارع بالطهارة، و لم يعلم حكم الشارع بالطهارة إلا في الماء المطلق فيبقى غيره على المنع حتى يثبت الدليل و هو كلام جيد غير أن ما ذكره الأصحاب قد يأباه منه.
[٢] الزمر ٢١.
[٣] الفرقان ٤٩.