مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٠٢ - (النوع التاسع)
التضرّع و الخوف.
فإن قيل: الخوف إمّا خوف العقاب و هو مقام المذنبين أو خوف الجلال و هو مقام العارفين، و هو ممتنع الزوال فمات كلّ من كان أعرف بجلال اللّه كان هذا الخوف في قلبه أكمل.
قلنا: لأصحاب المكاشفات مقامين: مكاشفات الجلال و مكاشفات الجمال فإذا فإنّهم إذا كوشفوا بالجمال عاشوا، و إذا كوشفوا بالجلال طاشوا، و المراد بالخيفة إمّا خوف التقصير في الأعمال أو خوف الخاتمة بل خوف السابقة فإنّها علّة الخاتمة، و لذلك قال (صلّى اللّه عليه و آله): جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة [١] أو المراد خوف مقابلة نعم اللّه الّتي لا حصر لها و لا عدّ بطاعاته الناقصة و أذكاره القاصرة.
«وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ» عطف على تضرّعا: أى و متكلّما كلاما فوق السرّ و دون الجهر فإنّه أدخل في الخشوع و الإخلاص، و ذلك قد يكون واجبا إذا كان موجبا لترك الرياء أو تكون القراءة واجبة فإنّه حينئذ يجب إسماع النفس بحيث يخرج عن حديث النفس و لا يكون غالبا بحيث يخرج عن الحدّ، و الفقهاء و إن قالوا ذلك في صلاة الفريضة إلّا أنّه يمكن جريانه في مطلق القراءة الواجبة بل مطلق القراءة و الدعاء، و يحتمل أن يكون عطفا على نفسك: أي وقعا دون الجهر من القول و المراد استحباب إخفات الذكر و الدعاء و القراءة دون المقدار الواجب ليبعد عن الرياء فإنّ البعد عنه مطلوب كما قالوه في استحباب السرّ في التصدّق و نحوه، و كذا الكلام في سائر العبادات فإنّ الإخلاص منها هو العمدة فكلّما بعدت عن شبهة الرياء كانت أولى، و لعلّ التصريح بالنفس هنا للدلالة على اعتبار القصد في الذكر و كونه بالقلب و اللسان معا فلو عرى عن ملاحظة القلب لم يترتّب عليه الأثر المطلوب لأنّ المراد بذكر النفس السرّ لقوله: و دون الجهر فيلزم التكرار. فتأمّل.
[١] عقد البخاري لهذا بابا انظر فتح الباري ج ٢٤ من ص ٢٩٢ إلى ٢٩٥، و بسط ابن حجر في الحديث، و ألفاظه المختلفة مثل جف القلم بما أنت لاق أو جف القلم بما هو كائن أو جفت الأقلام و طويت المصاحف، و غيرها. فراجع.