مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٦٩ - (النوع الثالث) (في القبلة)
لم يتعرّض الشيخ في التبيان لحكاية المنع في الآية السابقة بل نقل عن الجبائي أنّه ردّ على اليهود حيث أنكروا تحويل القبلة إلى الكعبة، و قال: ليس هو تعالى في جهة دون جهة كما يقوله المشبّهة، ثمّ قوّى هذا القول فعلى هذا لا تكون الآية منسوخة و لا مخصوصة بحال الضرورة، و لا بالنوافل مطلقا أو حال السفر.
و قيل: إنّها منسوخة لأنّ المسلمين كان لهم التوجّه حيث شاؤوا في صلوتهم و توجّه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى بيت المقدس كان باختياره و إلّا فكان له أن يتوجّه حيث شاء كما قاله الشيخ في التبيان، و في ذلك نزلت الآية، ثمّ نسخ بقوله: و حيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره.
و قيل: إنّها مخصوصة بالنوافل إذا صلّيت على الراحلة فإنّها تصلّي حيث ما توجّهت حال السفر.
و أمّا الفرائض فلا تصلّى إلّا إلى القبلة لقوله تعالى «فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» قال في التبيان: و هذا هو المرويّ عن أئمّتنا (عليهم السلام) [١] و قالوا: صلّى رسول اللّه: إيماء على راحلته أينما توجّهت الراحلة به حيث خرج إلى خيبر و حين رجع إلى مكّة و جعل الكعبة إلى ظهره.
و قيل: إنّها مخصوصة بحال الحيرة و الضرورة روي جابر أنّه قال: بعث النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) سرية كنت فيها و أصابتنا ظلمة. فلم نعرف القبلة. فقال: طائفة منّا، قد عرفنا القبلة هي هنا قبل الشمال فصلّوا و خطّوا خطوطا، و قال بعضنا: القبلة هي هنا قبل الجنوب فخطّوا خطوطا، فلمّا أصبحوا و طلعت الشمس تبيّن خطاءهم فسألوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فسكت فأنزل اللّه هذه الآية [٢] و على هذا فالمفهوم منها أنّه لا يجب حال الحيرة
[١] انظر البرهان ج ١ ص ١٤٦ و مثله في طرق أهل السنة انظر سنن البيهقي ج ٢ ص ٤.
[٢] انظر الدر المنثور ج ١ ص ١٠٩ و تفسير ابن كثير ج ١ ص ١٥٨ و فتح القدير ج ١ ص ١١٣ و سنن البيهقي ج ٢ ص ١٠ و انظر أيضا المجمع ج ١ ص ١٩١ و قلائد الدرر ج ١ ص ١٢٢.