مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٦٢ - (النوع الثالث) (في القبلة)
أريد من المسجد الحرام الحرم نفسه تعبيرا عن الشيء بأشرف أجزائه أو البيت فيتمّ ما ذهب إليه أكثر أصحابنا من أنّ الواجب على البعيد استقبال الجهة كما هو الظاهر من الشطر.
و يؤيّده النصوص الواردة في علامة قبلة أهل العراق للبعيد لدلالتها على ذلك لظهور اتّباع خطّة الإقليم عن سعة الحرم، و على هذا فلا يرد الإشكال في صحّة صلاة الصفّ المستطيل الّذي يخرج عن عين الكعبة أو عين الحرم.
و قال الشيخ و جماعة من الأصحاب: إنّ الكعبة قبلة من في المسجد، و المسجد قبلة من في الحرم، و الحرم قبلة لمن خرج عنه [١] حتّى أنّ الشيخ ادّعى عليه الإجماع، و يدلّ عليه بعض الأخبار عن الصادق (عليه السلام)، و نقله في التبيان عن ابن عبّاس ثمّ قال:
و هو موافق لما قاله أصحابنا: إنّ الحرم قبلة من نائى عن الحرم من أهل الآفاق. انتهى و لعلّ نسبته إلى أصحابنا نظرا إلى دعوى الشيخ الإجماع عليه.
و فيه نظر فإنّ الإجماع لا يتحقّق مع مخالفة جماعة من أعيان العلماء كالمرتضى و ابن الجنيد و غيرهما من المتقدّمين، و الروايات ضعيفة، و في بعضها إرسال مع أنّ الحكم بأنّ الحرم نفسه قبلة من خرج عنه يوجب بطلان صلاة بعض أهل الإقليم إلى جهة واحدة لظهور اتّساع خطّة الإقليم عن سعة الحرم ظهورا واضحا لما لا يعتريه شبهة و كيف يصحّ صلاة أهل الإقليم الواحد كالعراق بعلامة واحدة إلّا أن يأوّل بجهة الحرم كما قاله بعض الأصحاب، و لا بأس بإيراد معنى الجهة الّتي يجب على البعيد الاستقبال إليها فنقول:
و قد اختلفت عبارات الأصحاب في تحقيق معنى الجهة الّتي هي قبلة البعيد اختلافا معنويّا مع اتّفاقهم على أنّ المكلّف متي عمل بالعلامات المقرّرة فيما بينهم فإنّه يكون مستقبلا إليها لأنّ هذا العمل لا يكفي في بيان حقيقتها فقال العلّامة في التذكرة: جهة الكعبة هي ما يظنّ أنّه الكعبة حتّى لو ظنّ خروجه عنها لم يصحّ، و هذا التفسير مع
[١] انظر في ذلك تعاليقنا على كنز العرفان ج ١ ص ٨٦ و ٨٧.