مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٦٠ - (النوع الثالث) (في القبلة)
الكعبة لأنّ هذا الحكم بالنسبة إلى البعيد، و ذلك لأنّ الآية الكريمة نزلت في المدينة.
و لا ريب أنّ استقبال العين من البعيد حرج عظيم، و لأنّ أهل قبا استداروا إلى الكعبة في أثناء صلاة الصبح قبل ظهور الضياء الكامل، و من المعلوم أنّ مقابلة العين من المدينة إلى مكّة حيث إنّها تحتاج إلى النظر الدقيق لم يتأت لهم حينئذ. ثمّ لم ينكر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سمّى مسجدهم بذي القبلتين، و لأنّ استقبال عين الكعبة إن كان واجبا و لا سبيل إليه إلّا بالدلائل الهندسيّة فإنّها هي المفيدة لليقين و غيرها من الأمارات لا يفيد إلّا الظنّ و القادر على اليقين لا يجوز له الاكتفاء بالظنّ، و ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب لزم أن يكون تعلّم تلك الدلائل واجبا و لم يذهب إليه أحد.
و ممّا ذكرنا يظهر بطلان ما ذهب إليه الشافعي في أحد قوليه من أنّ الواجب على المصلّى أن يستقبل عين الكعبة قريبا كان أو بعيدا مستدلّا عليه بظاهر الآية، و بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): هذه القبلة مشيرا به إلى العين، و لأنّ كون الكعبة قبلة أمر معلوم و غيره مشكوك فيه و الأخذ بالمعلوم أحوط.
و الجواب منع كون ظاهر الآية دالّا على ما ذكره بل هو في الدلالة على الجهة أقرب لأنّ الشطر الجانب كما تقدّم، و قد اكتفى به، و الحديث محمول على القريب، و لا ريب فيه و كون الجهة مشكوكا فيها بعد ما ذكر في محلّ المنع. قال في الكشّاف و ذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أنّ الواجب مراعاة الجهة دون العين و اعترضه صاحب الكشف [الكشّاف خ ل] [١] بأنّ هذا القول على مراعاة العين أدلّ
[١] اختلف نسخ الكتاب، و في بعضها الكشف و في بعضها الكشاف، و لعمر بن عبد الرحمن القزويني المتوفى سنة ٧٤٥ حاشية على الكشاف سماها الكشف و؟؟ اليقين؟؟ المتوفى ٨٠٥ أيضا حاشية على الكشاف سماها الكشاف على الكشاف [انظر كشف الظنون ط عالم ج ٢ ص ٣١٢ و ٣١٣] و ليس عندنا من نسختي الكتابين حتى يبين لنا أن المصنف من أيهما أخذ الاعتراض المذكور.