مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ١٥٩ - (النوع الثالث) (في القبلة)
«فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً» فلنمكّننّك من استقبالها من قولك: ولّيته كذا إذا صيّرته واليا له متمكّنا منه أو فلنجعلنّك تلي جهتها.
«تَرْضٰاهٰا» أى تريدها و تحبّها و تشوّق إليها لأغراضك الصحيحة الّتي وقعت في نفسك و وافقت في ذلك مشيّة اللّه و حكمته.
«فَوَلِّ وَجْهَكَ» أي اصرف وجهك أو حوّل نفسك لأنّ وجه الشيء نفسه، و يؤيّده أنّ الواجب على الشخص أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط، و إنّما خصّ الوجه بالذكر لأنّه أشرف الأعضاء و به يتميّز الأشخاص.
«شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» نحو المسجد الحرام و تلقاؤه قال الشاعر:
و قد أظلّكم من شطر ثغركم * * * هول له ظلم يغشاكم قطعا [١]
أي من نحوه، و قيل: الشطر في الأصل. لما انفصل عن الشيء من شطر إذا انفصل و دار مشطور: أي منفصلة عن الدور. ثمّ استعمل بجانبه، و إن لم ينفصل كالقطر.
و قيل: الشطر النصف، و لمّا كانت الكعبة واقعة من المسجد الحرام في النصف من جميع الجوانب اختير هذه العبارة ليعرف أنّ الواجب هو التوجّه إلى بقعة الكعبة و ردّ بالفرق بين النصف و المنتصف و المكلّف مأمور بالثاني دون الأوّل. و الحرام المحرّم فيه القتال و الممنوع عن الظلمة أن يتعرّضوا فيه. ثمّ أشار إلى وجوب ذلك على كلّ مكلّف في كلّ مكان بقوله:
«وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» أي أين ما كنتم في الأرض في برّ أو بحر سهل أو جبل. فإنّ الواجب عليكم التوجّه إلى نحو المسجد، و لم يوجب التوجّه إلى
[١] البيت أنشده في المجمع ج ١ ص ٢٢٦ و التبيان ج ١ ص ١٧١ و شرحه القزويني في ج ٢ ص ٩١ من شرح شواهد المجمع بالرقم ٣٦٤ فقال: قوله أظلكم: أي أقبل عليكم، و دنا منكم كأنه ألقى عليكم ظله. الثغر بالفتح: موضع المخافة من فروج البلدان. و الهول:
المخافة من الأمر لا يدرى ما هجم عليه فيه قوله: له ظلم: أى مظلم لما فيه من الشدائد.
الاستشهاد به من حيث إن الشطر فيه بمعنى النحو: أى نحو ثغركم و تلقائه: انتهى.