الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم - النباطي، الشيخ علي - الصفحة ١٧١ - فصل في حرب الجمل و نكث طلحة و الزبير و عاقبتهما
و أما الزبير فقال ابن عباس نزلت وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ الآية في طلحة و الزبير قال الزبير لقد قرأناها و لم نعلم فإذا نحن المعنيون بها.
قال سلمان قال عثمان يقتل ابن الجاهلية و هو مرتد عن الإسلام قال فقلت لعلي ذلك فقال صدق عثمان و ذلك أنه يبايعني ثم ينكث فيقتل مرتدا.
و قد روى ابن مردويه في فضائل أمير المؤمنين من طرق ثمانية أن عليا ذكر الزبير بقول النبي له ستقاتل عليا و أنت ظالم له[١].
و في حلية الأولياء و الواقدي و
[١] هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الأسدى يكنى أبا عبد اللّه و كان أمه صفية بنت عبد المطلب عمّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فهو ابن عمّة رسول اللّه و ابن اخى خديجة بنت خويلد زوج الرسول صلّى اللّه عليه و آله.
شهد الجمل مقاتلا لعلى عليه السّلام فناداه على و دعاه فانفرد به و قال له: أتذكر اذ كنت أنا و أنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فنظر الى و ضحك و ضحكت، فقلت أنت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال: ليس بمزه، و لتقاتلنه و أنت له ظالم؟
فتذكر الزبير ذلك فانصرف عن القتال فنزل بوادى السباع، و قام يصلى فأتاه ابن جرموز فقتله، و جاء بسيفه و رأسه الى على عليه السّلام فقال عليه السلام: ان هذا سيف طالما فرج الكرب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
ثمّ قال: بشر قاتل ابن صفية بالنار، و كان قتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى من سنة ست و ثلاثين.
و قيل: ان ابن جرموز استأذن على عليّ عليه السلام فلم يأذن له و قال للاذن: بشره-- بالنار فقال:
\sُ أتيت عليا برأس الزبير\z أرجو لديه به الزلفه\z فبشر بالنار اذ جئته\z فبئس البشارة و التحفه\z و سيان عندي: قتل الزبير\z و ضرطة عنز بذى الجحفة\z\E و قيل: ان الزبير لما فارق الحرب و بلغ سفوان أتى إنسان الى الأحنف بن قيس فقال: هذا الزبير قد لقى بسفوان، فقال الأحنف؟؟؟ ما شاء اللّه كان، قد جمع بين المسلمين حتى ضرب بعضهم حواجب بعض بالسيوف ثمّ يلحق ببيته و أهله؟!.
فسمعه ابن جرموز و فضالة بن حابس و نفيع بن غواة من تميم فركبوا، فأتاه ابن جرموز من خلفه فطعنه طعنة خفيفة، و حمل عليه الزبير و هو على فرس له يقال له: ذو الخمار حتّى إذا ظنّ أنّه قاتله. نادى صاحبيه فحملوا عليه فقتلوه، بل الظاهر من بعض الاخبار ان ابن جرموز قتله في النوم، و قد روى المسعوديّ في مروج الذهب أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل و كانت تحت عبد اللّه بن أبي بكر فخلف عليها عمر ثمّ الزبير قالت في ذلك:
\sُ غدر ابن جرموز بفارس بهمة\z يوم اللقاء و كان غير مسدد\z يا عمرو! لو نبهته لوجدته\z لا طائشا رعش الجنان و لا اليد\z هبلتك امك ان قتلت لمسلما\z حلت عليك عقوبة المتعمد\z ما ان رأيت و لا سمعت بمثله\z فيمن مضى ممن يروح و يغتدى\z\E أقول: انما قال عليه السلام: بشر قاتل ابن صفية بالنار، لان القاتل و هو عمرو بن جرموز- مع أعوانه- قتله غدرا و غيلة و مغافصة، بعد ما ترك الزبير القتال فهو من أهل النار من جهتين.
الأول لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: الايمان قيد الفتك، فمن فتك مسلما و قتله-- غيلة كان بمنزلة من قتل مسلما متعمدا لاسلامه، فهو من أهل النار، و لو كان المقتول ظالما مهدور الدم.
فالذى قتله انما قتله غدرا و بغيا و عدوانا فهو من أهل النار و انما لم يقتله أمير المؤمنين عليه السلام به و لم يقد منه، لانه كان جاهلا بذلك كله، متأولا يعتقد أن قتله واجب و هو مهدور الدم. لاجل أنّه أجلب على امامه أمير المؤمنين و خرج عليه بالسيف، و لم يظهر توبة و لم يستغفر عند وليه أمير المؤمنين.
لكنه كان مقصرا في جهالته ذلك، حيث ان اعتزاله كان بمسمع و مرأى من أمير المؤمنين و لم يحكم فيه بشيء و لا هو استأمره عليه السلام في قتله، مع وجوده بين ظهرانيهم و اللّه أعلم.
و أمّا الزبير فالظاهر من الأحاديث أنّه ندم عن فعله ندامة قطعية بحيث التزم العار فرارا من النار، لكنه لم يظهر منه توبة و لا استغفار، و لو كان أراد التوبة و الاستغفار، كان عليه أن يفىء أولا الى أمير المؤمنين عليه السلام و يستغفره ممّا فعله، و يجدد بيعته، فلم يفعل.
و قد روى المفيد قدّس سرّه في جمله أنّه لما رأى أمير المؤمنين رأس الزبير و سيفه قال للأحنف: ناولنى السيف فناوله، فهزه و قال: سيف طالما قاتل بين يدي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و لكن الحين و مصارع السوء، ثمّ تفرس في وجه الزبير و قال: لقد كان لك بالنبى صحبة و منه قرابة، و لكن دخل الشيطان منخرك فأوردك هذا المورد.