الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم - النباطي، الشيخ علي - الصفحة ٨٩ - فصل في ذكر آيات ادّعي نزولها في أبي بكر و صاحبيه
على أن الآية فيها من كان أكرم فهو أتقى و لا يلزمه من كان أتقى فهو أكرم لما تقرر في الميزان أن الموجبة الكلية لا تنعكس كلية إلا إذا تلازم الأتقى و الأكرم كالإنسان و الناطق و لا يلزم هنا لأن ظاهر الأتقى أنه مجانبة للعصيان و جائز كون الأكرم بملازمة الطاعات فجائز وجود أحد الصفتين في شخص و الأخرى في آخر.
و في هذا نظر إذ يجوز كون الأتقى بمخالفة الأمر و النهي فيتلازم هو و الأكرم و من عدم عنه إحدى الصفتين عدم عنه الأخرى إلا أن يحمل الأتقى على التقي و الأكرم على الكريم كما سلف فيفترقان.
على أن الخصم لما أسقط العلل الغائبة عن أفعاله تعالى سقط احتجاجه بهذه الآية إذ ليست الكرامة معللة بالتقوى عندهم فجاز حصولها لغير المتقي فلا يلزم تقدم الأتقى و كيف قلتم الأكرم مقدم و أنتم تجوزون تقديم المفضول.
فإن قلتم هو إلزام قلنا نلتزم به و نثبت الأفضلية لعلي بخبر الطائر و بكونه لم يكفر قط فكيف يجعل من مضى أكثر زمانه على الكفر أتقى منه و بقوله تعالى وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ[١] و علي بالاتفاق من أجهد المجاهدين و أبو بكر من ملازمي القاعدين و متى كان ثبات علي أكبر فثوابه أكثر.
و قد أخرج صاحب الوسيلة عن أبي سعيد قول النبي ص لعلي لك من الثواب ما لو قسم على أهل الأرض لوسعهم.
إن قلت كان أبو بكر يجاهد بلسانه قلت فعلي بلسانه و سنانه و كانت هداية أكثر الضلال على يده.
إن قلت فكان النبي في القاعدين فيدخل بزعمكم في جملة المفضولين قلت ليس للملوك مباشرة الضروب لما فيها من فساد نظام الحروب.
و كيف يقال إن الآية نزلت في أبي بكر و قد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أنه أنزل عذري و بعيد أن ينزل
[١] النساء: ٩٥.