التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٥ - نقد النظرية الفردية
الثاني بإزاء مبلغ ببتر يده مثلًا. فالثاني لا يتضرر وحده بهذه العملية، إذ ان زوجته واولاده وعموم اسرته، وربما غيرهم يتضررّون بذلك ايضاً. فهل له الحق في ذلك؟ كلا!.
من هنا لا نجد تاريخياً، عقداً واحداً لا يتدخل فيه المجتمع، وحسب باتيفول: ان القوانين الآمرة كانت دائماً متوافرة حتى في عهد ضآلة عددها، وكان المتعاقدون لا يستطيعون مخالفتها، كما ان الجهد الذي بذله الاحرار لتحويلها الى دعم الحرية (حرية المتعاقدين في إبرام ما يريدون) كان ينطوي على الابهام والالتباس [١].
إن الحياة الاجتماعية قد تطورت مع الزمن الى درجة جعلت الانسان لا يقوم بأية حركة صغيرة أو كبيرة الا ويتداخل فيها اكثر من حق للمجتمع. وحسب ما يقول د. كاتوزيان «ان تقسيم العمل، والحاجات المتبادلة بين اعضاء المجتمع، قد ربطا مصير البشر ببعضهم، الى درجة- لا جرم- من الاعتراف بوجود حياة اجتماعية اخرى، الى جنب الحياة الفردية، وان لتلك الحياة المشتركة حاجاتها ومقتضياتها الخاصة التي لا تضمن دوماً بوسيلة الحرية الفردية فقط» [٢].
ثالثاً: تعتبر قاعدة النظرية الفردية من الناحية الفلسفية: الارادة الحرّة للانسان وقيمتها العليا، ولكنها ليست كذلك. إذ ان العدالة قيمة اخرى لا يمكن الاستهانة بها.
فاذا تعارضت الحرية والعدالة فان علينا التوفيق بينهما. ولا ريب ان العدالة لا تؤمن عبر الحرية وحدها، بل- هي الاخرى- بحاجة الى قوانين خاصة.
وحسب باتيفول: ان حرية التعاقد الكاملة تتعارض مع المنطق السليم، فضلًا عن انه لم يكتب لها الوجود اصلًا [٣].
ويضرب امثلة شتّى حددت الحرية فيها- قانونياً- بقيمة اخرى ابرزها: حرية الملكية التي تعرّضت لهجمات من جميع النواحي.
ويضيف: ان حريات الانسان نفسها، تخضع لتقدير السلطة المفروض إنضافه (ذلك التقدير) الحكمة، ويرى القانون اليوم، انه يجب الا يفسخ الزواج بناء على ارادة
[١] - فلسفة القانون ص ٨٦.
[٢] - فلسفة القانون ص ٣٧٠.
[٣] - فلسفة القانون ص ٨٧..