التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٤ - نقد النظرية الفردية
حقوق الآخرين المفروضة على الفرد كثيرة، مما تجعل الفردية تتلاشى في الحالة الاجتماعية.
فاذا كنا نبحث عن قيمة العدالة، فإننا لن نحصل عليها بتقديس الفردية. لأنها تؤدي الى تغلب القوي على الضعيف. واذا كنا نبتغي الرفاه، صلاح الافراد في تنظيم علاقاتهم بالمجتمع اكثر فأكثر. ولولا فائدة الحياة الاجتماعية اذاً ما إلتئم جمع الناس.
ومع تعقّد الحياة وتقدم التكنلوجيا، وتنوع الاخطار التي تهدد البشرية لم يعد القانون شراً لا بد منه كما قالوا بل ضرورة عظيمة الفائدة وهكذا ازداد عدد القوانين في الدول القائمة على اساس الحرية الفردية، زيادة مضطردة.
وجوهر نظرية (الفردية) هي الفكرة التالية ان العقد يعبّر عن الارادة، وان الارادة تمثل الشرعية الوحيدة، وان الحياة التي لا حرية فيها لا تسوى شيئاً .. ولنا عليها اكثر من ملاحظة:
اولًا: العقد يعبر دوماً عن الارادة الحقيقية، فالمضطر الذي الجأته الظروف القاهرة لقبول عقد، تراه يتقبله ظاهراً، وقلبه يكرهه اشدّ الكراهية. ومثل ذلك: العمال الذين دعتهم الحاجة الى العمل عند ارباب المصانع الجشعين، فاستغل هؤلاء حاجتهم لفرض اقسى الشروط عليهم بإسم حرية العقد، وكانت المأساة التي دفعت اوربا في نهاية القرن السابق، الى تبنّي نظريات متطرّفة في الأشتراكية. فهل كانت تلك العقود المجحفة بحق اكبر قطاع من البشر عادلة وشرعية؟ أم كان الواجب على القانون التدخل لحماية العمّال المحرومين؟. وهكذا كان، فقد دخل المشرّعون طرفاً في كل العقود، حماية للارادة الضائعة أو المكروهه.
ومن جهة اخرى ادّت حدّية التجار في الاقتصاد الى ابشع الاحتكار وتراكم الثروة. مما منع الآخرين من ممارسة حقهم في النشاط التجاري، وكان على القانون ان يتدخل- مرة اخرى- لتصحيح مسيرة المجتمع.
ثانياً: بعكس ما يتصور بادئ الرأي، لا يقتصر العقد على طرفي المعاملة، بل المجتمع يتأثر سلباً او إيجاباً في العقد، إذ عليه ان يتحمل نتائجه. فاذا كان عقد يفسد سوق البلاد، أو يسبب ضرراً بالغاً على طرف معين مثلًا، لو عقد شخص مع آخر على ان يقوم