التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٠ - ٣/ المدرسة الرواقية ونقدها
أولًا: الخلط الغريب، بين مقام الالوهية السامق، ومنزلة العبودية، وقد سبب هذا الخلط في اخطاء كبيرة وقع فيها الفكر الفلسفي عبر قرون، الله سبحانه أكبر واعلى من ان يتنزل من مقام عظمته ويصبح مخلوقاً والعلاقة بينه- سبحانه- وبين خلقه ليست العلاقة بين البحر والسحاب، او النبع والرافد، بل هو الخالق الذي ابدع الكون إبداعاً وانشأه إنشاءً وهكذا فأن المسافة قائمة بينه وبين خلقه انّى اقترب الخلق اليه [١].
ثانياً: القلب البشري يتلقّى نوعين من الوحي ويستمع الى نمطين من النداء: (الف)- القاء رحماني يوحي به ملائكة الرب رحمةً منه بالبشر، (باء)- القاء شيطاني منشؤه ضعف البشر وإبليسه المريد.
ولكن المدرسة الرواقية لم تعرفنا كيفية الفصل بين هذين الندائين، ودعت الانسان الى التأمل الداخلي، والاستماع الى وحي ضميره، حقاً انه مع التمييز بين الوحيين يستطيع البشر ان يكتشف حقائق كثيرة، الا ان ذلك لا يعني الغاء دور الوحي الالهي، غير المباشر، للانسان عبر الرسل والكتب، والذي لم تشر اليه المدرسة الرواقية.
ثالثاً: حين اعتبرت المدرسة الرواقية الفضيلة تقبل النظام طواعية، فانها قرّبت الينا فكرة التقوى، وهي قمية مباركة، ولكن السؤال الذي بقى عائماً وغامضاً هو: لماذا يتنازل البشر عن ذاته من أجل النظام، واذا كان تقبل النظام طواعية قيمة اساسية، فلماذا منُح البشر حرية اتخاذ قرار التقبل أو عدم التقبل؟
بلى البصائر الاسلامية تبلور فكرة التقوى (الف)- عبر بيان سلسلة من الروادع والمرغبات (باء)- كما تعتبر حرية الفرد اساساً لوجوده، وتجعل التوبة بعد الذنب، أهم حكمة، وهذا ما رفضته المدرسة الرواقية، التي زعمت ان الفضيلة لا تتجزاً وان الحكيم هو الذي يلتزم بكل ابعاد الفضيلة وان الجزئيات لا اهمية لها [٢].
رابعاً: اما فكرة الاخوة فهي لا ريب اعظم انجاز للمدرسة الرواقية، الا انها قد تتعارض مع فكرتهم عن الاعتزال والترفع، كما سبق ..
خامساً: وفكرتهم عن العبادات- بالرغم من صحتها عموماً- تتنافى ونظرتهم عن
[١] - ناقشنا هذه الفكرة في كتابنا العرفان الاسلامي بتفصيل.
[٢] - المصدر ص ٤٥..