من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤ - سبحان الله عما يشركون
فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ الْمَكِيدُونَ لأنهم مهما بلغوا من المكر والحيلة فلن يستطيعوا الغلبة على الحق (سنن الله في الخلق ومشيئته القاهرة) ومنهجه المتكامل إذا اتبعه المؤمنون، والتاريخ شاهد على هذه الحقيقة.
[٤٣] ويعود القرآن إلى بيان الانحرافات النفسية العميقة عند الإنسان فيقول أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ إن الله مُنزَّه عن الشركاء، والإنسان يشرك به غيره للتهرب من المسؤولية، وليس اعتمادا على عقيدة راسخة بيِّنة، إنه إذا لم يدع شريكا مع الله فهو ملزم بالتسليم لرسالته عقلا وضميرا، لذلك نجده يسعى لتخليص نفسه من هذا الالتزام بالشرك.
[٤٤] ولأن العقائد المنحرفة عند الكفار والمشركين، التي استعرضتها الآيات الماضية، تنتهي كلها إلى غاية واحدة هي محاولة التملص من المسؤولية، فإن القرآن لا يني يؤكد المسؤولية من خلال بيان سنة الجزاء الحاكمة في الحياة، ففي الدنيا تجليات عديدة لهذه السنة مما يؤكد وجود حياة أخرى للجزاء أيضا، ولكن الإنسان حينما يكفر أو يشرك لا تهديه العلاقات إلى الحقيقة، بل يفسرها تفسيراً مادياً منحرفاً، بل حتى لو رأى آية ظاهرة فسرها تفسيرا بعيدا وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنْ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ، وفي سورة الأحقاف يضرب القرآن لنا مثلا على هذا النوع من التفسير عند الكفار فيقول فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [الأحقاف: ٢٤- ٢٥].
[٤٥] وحينما يصل الإنسان إلى هذه الحالة النفسية من الضلال والجحود تصعب هدايته إلى الحق، لأنه لن ينظر إلى الآيات نظرة عقلانية مجردة، إنما سينظر إليها من خلال أفكاره، ويسعى جاهدا لاستلابها دلالاتها الواقعية الحقة، لذا لا ينبغي للداعية أن يصر ويبخع نفسه لهدايته، وإنما يبين إليه الحق ثم يتركه يواجه مصيره بنفسه، لأن الإصرار الزائد عن حده قد يسبب حالات وصفات خاطئة كالديكتاتورية والغصب أو أن يغيِّر هو من الدين ليدخلهم فيه فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ إشارة إلى العذاب الذي ينتظر الكفار يوم القيامة، فلأنهم كفروا بالآخرة وغفلوا عنها في حياتهم فإنهم يفاجؤون بذلك.
[٤٦] وإذا كان مكرهم وكيدهم في الدنيا نفعهم بعض الشيء وخدم مصالحهم، فربما انتصروا عسكريًّا على المؤمنين، أو ظهروا على البلاد وأضلوا الناس عن الحق، فإنهم في الآخرة لا ينفعهم المكر شيئا، ولا يدفع عنهم خطرا يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً كما أن القوى الأخرى التي اعتمدوا عليها في كفرهم وكيدهم للحق والمؤمنين لا تعينهم، وإن أعانتهم فهي لا تبلغ بهم سبيلا إلى الغلبة والنصر وَلا هُمْ يُنصَرُونَ.