من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٥ - والسابقون السابقون أولئك المقربون
فلا يجوز أن يقنط لاحق من روح الله، وما أعده الله للمقربين إليه من الدرجات الرفيعة، ويبرر قنوطه بأنه قد تأخر زمنيًّا عن الأولين. كلا .. إن معارج التكامل إلى الله معدة لكل من شاء أن يُحَلِّق في أجواء القرب من رب العباد.
[١٥] عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مصفوفة، قالوا: الوضن النسج المضاعف والنضد، ودرع موضونة: محكمة في النسج، والسرير الموضون: الذي سطحه بمنزلة المنسوج. وقال بعضهم: إن أَسِرَّة الجنة منسوجة بخيوط الذهب، مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد.
[١٦] مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ الاتكاء علامة الارتخاء، وعدم وجود ما يشغلهم غير التلذذ بألوان النعم الإلهية، والتقابل دليل المحبة والود المتبادل بينهم. أَوَليست قلوبهم طاهرة من الغل، والحسد، والحقد؟ وراحتهم الخالدة يومئذ هي جزاء اجتهادهم الدائب في الدنيا، فكم أتعبوا أجسادهم في طاعة الله، وكم قاوموا ضغوط الحياة، وواجهوا الطغاة والمترفين، وكم تحملوا من الأذى النفسي والجسدي؟!.
[١٧] يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إن أفضل خدمة بين الأحباب خدمة الغلمان، وبالذات حينما تكون نضارة شبابهم أبدية، فهم مخلدون لا تعتريهم خشونة الرجال، ولا تأتي على جمالهم وأناقتهم، ودماثة أخلاقهم طوارق الليل والنهار.
[١٨] بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ إنهم يصبون لذيذ الشراب من أكواب وأباريق في كؤوس جميلة، ويقدمونها لأهل الجنة. قالوا: يختلف الكوب عن الإبريق في العرى والخراطيم، أما الكأس فهي إناء الشرب، وقيل: لا يقال: كأس إلا إذا كان فيها شراب، وإلا فهي زجاجة، ولا يقال: كوز، إلا إذا كانت له عروة، وإلا فهو كوب [١]، وتتساءل: ما هذا الترتيب؟ يبدو أن الأكواب هي الآنية الكبيرة المليئة بالخمر، وتغرف منها بالأباريق، ثم تصب الخمرة في الكأس للتناول، كل ذلك لإضفاء جو المرح واللذة والكرامة في جلسات المؤانسة. وقالوا: المعين الجاري، حيث إن خمرة الجنة تجري من عيون، ويبدو أن الوصف ليس فقط لما في الكأس، بل لما في الأكواب والأباريق أيضا. وقيل في جريان الماء: [فإذا كان ظاهرا جاريا على وجه الأرض فهو معين وسنم] [٢].
[١٩] لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ فهي ليست كشراب الدنيا يصيب الإنسان بصداع ودوار، أو يذهب بعقولهم. قالوا: النزف: السُّكْر، وقيل: لا ينفد شرابهم، وتساءل الفخر
[١] فقه اللغة للثعالبي: ص ١٥.
[٢] فقه اللغة للثعالبي: ص ٢٨٥.