من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٣ - والسابقون السابقون أولئك المقربون
«السُّبَّاقُ خَمْسَةٌ: فَأَنَا سَابِقُ العَرَبِ، وَسَلْمَانُ سَابِقُ فَارِسَ، وَصُهَيْبٌ سَابِقُ الرُّومِ، وَبِلَالٌ سَابِقُ الحَبَشِ، وَخَبَّابٌ سَابِقُ النَّبَطِ»
[١]. وجاء في حديث مأثور عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال
«أَتْدرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلىَ ظِلٍّ الله يَوُمَ القَيامَةِ؟ قَالوُا: اللهُ وَرَسُوُلُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: الّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الَحقَّ قَبِلُوهُ، وإِذَا سُئلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا للنَّاسِ كَحُكمِهِم لِأَنْفُسِهِم»
[٢]. وبالرغم من أن تطبيق الحديث على هذه الآية غير واضح إلا أنه يهدينا إلى ميزات السابقين بصفة عامة.
[١١- ١٢] أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ إن أعظم جزاء السابقين القربى من رب العزة، ويتجلى في الكرامة العظيمة التي أُعِدَّت لهم في جنات النعيم.
[١٣- ١٤] ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ قالوا في معنى الثلة: أنها من ثللت الشيء، أي قطعته، ومعناها: فرقة.
لكن من هُم الأولون والآخرون؟.
قال بعضهم: من مضى من السابقين في الأمم السابقة أكثر لأن الأنبياء كانوا أكثر، في حين أن السابقين في هذه الأمة قليلون لأن النبي واحد، وكأنهم زعموا أن السابقين لا يكونون إلا من أصحاب النبي الذين سبقوا الآخرين في الإيمان به.
وقال آخرون: الأولون والآخرون هم من هذه الأمة، وإنما كان الأولون أكثر لأنهم نهضوا بأعباء الدعوة أيام غربته، بيد أن ظاهر الآية ينسجم مع التفسير الأول أي أن شامل للأمم السابقة وهذه الأمة، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه واله: [أنه لما نزل هذا شق على أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله فنزلت
ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ فقال النبي
إِنَّنِي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبْعَ أَهْلِ الجَنَّةِ، بَلْ ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ، بَلْ نَصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَتُقَاسِمُونَهُم في النَّصْفِ الثَّاني» [٣].
وقد استوحى بعض المفسرين من هذه الآية الكريمة اعتماداً على أن السبق مأخوذا فيه السبق الزمني: أن القرون الأولى خير من التي تلتها، في حين أن العكس هو المفهوم من الآية، إذ كلما كثر عدد المؤمنين قل عدد السابقين لأن أهمية السابق تحركه في الاتجاه المخالف للناس، ولذلك كان الإيمان والإنفاق قبل الفتح أعظم درجة من الإيمان والإنفاق بعده.
لكن يستلهم من بعض النصوص الآتية: أن السابقين هم بعض المقربين، فقد يكون في
[١] بحار الأنوار: ج ٢٢، ص ٣٢٥.
[٢] نقلا عن تفسير المراغي: ج ٢٧، ص. ١٣٤
[٣] تفسيرالقرطبي: ج ١٧، ص ٢٠٠.