من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٨ - كل يوم هو في شأن
وتجمد طاقته بالحتميات التي تزعم أنها تحيط بالقدرة البشرية كما جدران السجن بالمجرم، نجد أن النهج الإلهي الحنيف يفتح آفاق الرجاء أمامه، ويعطيه الثقة بربه القادر على إنجاح طلباته، وتغيير المعادلات والواقع إلى صالحه، ويفند الأفكار الجبرية والقدرية بفكرة الدعاء الذي ينطلق من العبد إلى ربه (السؤال) وأنه فوق الحتميات والأقدار وفوق القضاء، قال الإمام الباقر عليه السلام يخاطب زرارة رضي الله عنه
«أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَسْتَثْنِ فِيهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله؟،
قُلْتُ: بَلَى. قَالَعليه السلام
: الدُّعَاءُ يَرُدُّ القَضَاءَ وقَدْ أُبْرِمَ إِبْرَاماً، وضَمَّ أَصَابِعَهُ»
[١]، وقال الإمام الكاظم عليه السلام
«عَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّ الدُّعَاءَ لِلَّهِ والطَّلَبَ إِلَى الله يَرُدُّ البَلَاءَ وقَدْ قُدِّرَ وقُضِيَ ولَمْ يَبْقَ إِلَّا إِمْضَاؤُهُ، فَإِذَا دُعِيَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ وسُئِلَ صُرِفَ البَلَاءُ صَرْفَةً» [٢].
ولعل الآية التالية تدل على صفة البداء التي هي مفتاح بصيرة الدعاء فلولا أن الله قادر على تغيير الخليقة ودفع البلاء ورفع القضاء إذن لم يبق أثر للدعاء، ومن لا يعتقد بالبداء ولا يؤمن بسلطة الله المطلقة التي لا يقيدها أي شيء مما سواه، ومن نفسه سبحانه فإنه لا يعتقد بألوهية، كيف وأنه يجعله تعالى أقل قدرا وقدرة حتى من الملوك إذ تُجرَّد عنه أهم صفاته وهي السلطة مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج: ٧٤]، سبحانه وتعالى عما يصفون علوًّا كبيراً.
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ قال النبي صلى الله عليه واله
«فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْباً وَيُفَرِّجَ كَرْباً وَيَرْفَعَ قَوْماً وَيَضَعَ آخَرِينَ» [٣].
وقال علي بن إبراهيم رضي الله عنه
«يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيَرْزُقُ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ» [٤]،
فلا ثبات بعد الدعاء واستجابة الله، أو بعد بِدائه عز وجل، حتى في ليلة القدر التي تُكتب فيها أقدار الخلائق إلى مثلها من قابل فإن الكتاب ليس أبديًّا إذ اشترط ربنا لنفسه البداء فيما كتب سبحانه فيها- كما جاء في الحديث-، وكما قال ربنا سبحانه يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: ٣٩].
ولعلنا نفهم من هذه الآية أن الله يخلق كل يوم خلقا جديدا لا نعلمه، ونجد إشارة إلى هذه الحقيقة في قول أمير المؤمنين عليه السلام
«الحَمْدُ لِله الَّذِي لَا يَمُوتُ ولَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ لِأَنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ مِنْ إِحْدَاثِ بَدِيعٍ لَمْ يَكُنِ»[٥].
[١] أصول الكافي: ج ٢، ص ٤٧٠.
[٢] الكافي: ج ٢، ص ٤٧٠.
[٣] بحار الأنوار: ج ٤، ص ٧١.
[٤] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٤٥.
[٥] الكافي: ج ١، ص ١٤١.