من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦١ - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى
(٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنْ النُّذُرِ الأُولَى (٥٦) أَزِفَتْ الآزِفَةُ [١] (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ [٢] (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢).
هدى من الآيات
بصراحة الحقيقة، وبقوة اليقين، يتقدم بنا السياق القرآني شيئا فشيئا إلى الفكرة المركزية في هذه السورة، وهي فكرة المسؤولية التي نجدها في تضاعيف أغلب آياتها وكأنها خافية؛ لكل فكرة فيها وشاهد، إلا أنها تتجلى كصراحة الشمس عند قوله تعالى وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (الآية: ٣٩).
ولكن الله قبل أن يقذف بهذا الحق على باطل التبرير واتِّباع الهوى والظن، يذكِّرنا بلون من ألوان الشفاعة المقبولة عنده وهي شفاعة الأعمال الحسنة للإنسان عن اللمم من السيئات كما نجد تصريحا به في الآية الكريمة وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود: ١١٤]، إن تقوى الإنسان التي تجنِّبه كبائر الإثم تشفع له في الصغائر (اللمم)، ولعل تقديم هذه الفكرة (الشفاعة) المشحونة بالرجاء واللطف الإلهي، على فكرة المسؤولية وما فيها من الشدة والصرامة، يهدف إعطاءنا الأمل في رحمة الله، لكيلا نيأس فنتوغل في الجريمة والذنب، أو نقعد من عمل الصالحات، بناء على تصوراتنا البشرية المرتكزة في القنوط والجزع. كلا إن الله رحيم ويحاسبنا بفضله لا بعدله، وإلا لما دخل الجنة أحد كما قال الرسول الأعظم صلى الله عليه واله
«وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» [٣].
ثم يؤكد القرآن بخطاب فصل مسؤولية الإنسان عن سعيه، أنه يُجازى عليه إن خيرا فخير وإن شرًّا فشر، وهي تتعلق بنفي الشرك وبرفض الأنداد ومدى عمق حقيقة التوحيد في النفس فكلما زاد يقين الإنسان بالله وأنه المالك الحاكم الأحد لكل شيء، كان أقرب من المسؤولية إيمانا وعملا، وأبعد عن الحجب والتبريرات التي تمنعه من حملها.
إن التوحيد يجعله لا يتوسل بوشائج الشرك، التي هي بذاتها نوع من التبريرات التي
[١] أزفت الآزفة: أي قربت القيامة ودنت.
[٢] سامدون: لاهون، والسمود اللهو، والسامد اللاهي.
[٣] بحار الأنوار: ج ٧، ص ١١.