من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٦ - أم للإنسان ما تمنى
يخرج من سلطان الله، ويبحث له عن حياة تغني فيها الأمنيات، ولن يحصل ذلك لأن الحياة كلها له عز وجل، أو يبحث له عن حكومة يمكنها أن تواجه سلطانه وإرادته، ولن يجد إلى ذلك سبيلا، وحتى الملائكة الموكلين بالطبيعة لا تغني شفاعتهم شيئا، لأن قوتهم من الله وليست ذاتية، وهم لا يشفعون إلا لمن شاء وارتضى.
* وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً لو افترض أنهم بادروا للشفاعة، فكيف بتلك الأصنام؟! بلى؛ إن شفاعتهم والأولياء تنفع بإذنه تعالى، ولأفراد مخصوصين يرضى لهم الله الشفاعة.
إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى وإذنه لا يحصل بسبب ضغط قوى أخرى، تعالى عن ذلك عُلُوًّا كبيراً، إنما يأذن بإرادته العليا، كما أنه لم يجعل الشفاعة بعيدة عن القوانين والسنن التي خلق الحياة وفقها، ومن هذه القوانين أن يكون الشفيع مرضيا عنده.
وهكذا يحدد القرآن الشفاعة بحدين
ألف: حد للشافع الذي لا يكون إلا من يرتضيه الله، فلا تجوز الشفاعة أساسا إلا للأنبياء والأولياء والملائكة المقربين، أما الأصنام الحجرية والبشرية فليست أهلا للشفاعة أبدا.
جاء في الحديث عن الرسول الأعظم صلى الله عليه واله
«وَالشَّفَاعَةُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالأَوْصِيَاءِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمَلَائِكَةِ»
[١]. وعنه صلى الله عليه واله
«ثَلَاثَةٌ يَشْفَعُونَ إِلَى الله عَزَّ وجَلَّ فَيُشَفِّعُهُمْ: الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ العُلَمَاءُ ثُمَّ الشُّهَدَاءُ» [٢].
باء: حد لمن يشفعون له، فلا يشفع من وصل إلى درجة الشفاعة إلا لبعض الناس ممن يأذن الله له بأن تشمله الشفاعة وممن رضي الله عنه. قال عز وجل وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨].
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام
«اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ يُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ شَيْئاً لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ولَا مَنْ دُونَ ذَلِكَ، فَمَنْ سَرَّهُ أَنْ تَنْفَعَهُ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ عِنْدَ الله فَلْيَطْلُبْ إِلَى الله أَنْ يَرْضَى عَنْهُ»
[٣]. وعن الرسول الأعظم صلى الله عليه واله
«وَالشَّفَاعَةُ لَا تَكُونُ لِأَهْلِ الشَّكِّ وَالشِّرْكِ وَلَا لِأَهْلِ الكُفْرِ وَالجُحُودِ، بَلْ يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ»[٤].
[١] بحار الأنوار: ج ٨، ص ٥٨.
[٢] مستدرك الوسائل: ج ١١، ص ٢٠.
[٣] الكافي: ج ٨، ص ١١.
[٤] بحار الأنوار: ج ٨، ص ٥٨.