من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥٨
مع معارفه [١]، وعدم القراءة والكتابة مظهر واحد من مظاهر التخلف والجهل، وللجاهلية مظاهر شتى تصدق عليها جميعا كلمة الأمي التي يبدو أنها غلبت لتشمل كل أبعاد الجاهلية، ونستوحي ذلك من استخدام القرآن الحكيم لها في سياق حديثه عن أهل الكتاب وهم يقرؤون ويكتبون وفيهم دعاة العلم إذ قال وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة: ٧٨]، ولكن لماذا بعث الله رسوله في الأميين بالذات؟.
١- إذا أخذنا بالتفسير الأول (أنهم أهل مكة) فذلك تجلٍّ لحكمة الله حيث يبعث رسله في مركز البلاد وأكبر مدنها وأهمها وحيث بؤرة الفساد والضلال، فإن ذلك أكبر أثرا في التغيير.
٢- وعلى التفسير الأظهر (أنهم الجاهليون) نهتدي إلى أن الله يستنقذ البشرية حينما تتجه حضارتها نحو الدمار والانتهاء.
ثم إن الله حين بعث رسوله في الوسط المتدني في العلم عرفنا بأن الرسالة لم تكن تكاملًا ذاتيًّا وصلت إليه البشرية والمدنية، كلا .. إنها كالغيث الذي ينزل من السماء على أرض جرداء فيملؤها خصبا وجمالا. إنها كما أشعة الشمس تهبط على وديان الظلام فتنشر عليها الضياء والروعة. إنها تأتي من خارج إطار السياق التاريخي فتحدث فيه ثورة بديعة وتحولا عظيما لا نجد له أي تفسير إلا في الرسالة، وليس كما يدعي البعض أنها مجرَّد عامل مساعد لعوامل حضارية لدى العرب، فإن الدلائل التاريخية كلها تشير إلى وجود جاهلية (أمية) شاملة في كل الأبعاد في المحيط الذي بعث فيه الرسول صلى الله عليه واله عبرت عنها فاطمة بنت محمد عليها السلام بقولها عن أبيها
«ابْتَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى إِتْمَاماً لِأَمْرِهِ، وَعَزِيمَةً عَلَى إِمْضَاءِ حُكْمِهِ، وَإِنْفَاذاً لِمَقَادِيرِ حَتْمِهِ، فَرَأَى الأُمَمَ فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا، عُكَّفاً عَلَى نِيرَانِهَا، عَابِدَةً لِأَوْثَانِهَا، مُنْكِرَةً لله مَعَ عِرْفَانِهَا، فَأَنَارَ اللهُ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه واله ظُلَمَهَا، وَكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَهَا، وَجَلَا عَنِ الأَبْصَارِ غُمَمَهَا، وَقَامَ فِي النَّاسِ بِالهِدَايَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ مِنَ الغَوَايَةِ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ العَمَايَةِ، وَهَدَاهُمْ إِلَى الدِّينِ القَوِيمِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ ..»
[٢]، وقالت عليها السلام: [... وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ
مُذْقَةَ الشَّارِبِ، وَنُهْزَةَ الطَّامِعِ، وَقَبْسَةَ العَجْلَانِ، وَمَوْطِئَ الأَقْدَامِ، تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ، وَتَقْتَاتُونَ الوَرَقَ، أَذِلَّةً خَاسِئِينَ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ ...» [٣].
وهناك سؤال: لماذا سُمِّي النبي أُميًّا، وقال الله تعالى رَسُولٌ مِنْهُمْ، فما هي النعمة في
[١] قال الإمام الصادق عليه السلام
«كَانُوا يَكْتُبُونَ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ الله وَلَا بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا فَنَسَبَهُمْ إِلَى الأُمِّيِّين»
بحار الأنوار: ج ٩، ص ٢٤٣.
[٢] بحار الأنوار: ج ٢٩، ٢٢٠.
[٣] بحار الأنوار: ج ٢٩، ص ٢٢٣.