من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥٦
بينات من الآيات
[١] لأن الله خلق الخلق للعبادة فقد أودع في ضميرهم الحاجة إليه، وفطرهم على الإحساس بما هو مرتكز فيهم من النقص والعجز، والمهم المعرفة به حيث لا حَدَّ ولا نقيصة ولا ضعف، لذلك فإن الخلق لا يرون لأنفسهم وجودا من دون فضله ولطفه وهباته، ولا هدفا أسمى من التقرب إليه عبر تنزيهه وتسبيحه والاستزادة من فضله بذكر أسمائه الحسنى، لذلك فالخليقة في تسبيح دائم له عز وجل.
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ كل بلغته وطريقته، هذه هي مسيرة الكائنات ووجهتها، وإذ يضع القرآن الإنسان أمام هذه الحقيقة الكبرى فلكي يدفعه نحو الالتحاق بها، ويبين له أن عدم خضوعه لله شذوذ خطير يضعه في مسيرة معاكسة لإرادة ربه وللخليقة جميعا، وبالتالي فإنه يواجه تحديات كبيرة تسحقه وتؤدي به إلى الدمار، فلا طريق للنجاة منها والوصول إلى الأهداف والتطلعات إلا بمسايرة الوجود بقيمه وسننه في مسيرته الصواب، من خلال الاعتراف بالعجز والنقص المرتكز فيه والمعرفة بكمال ربه المطلق، ومن ثم تسبيحه والخضوع له. ولأنه تعالى لا تدرك ذاته الأبصار ولا العقول ولا الأوهام فقد جعل أسماءه وسيلتنا إليه وذكرنا بها فقال الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ قال أبو جعفر عليه السلام حول أسماء الله الحسنى
«خَلَقَهَا وَسِيلَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ يَتَضَرَّعُونَ بِهَا إِلَيْهِ ويَعْبُدُونَهُ، وهِيَ ذِكْرُهُ»
[١]، وعن الرضا عليه السلام قال
«هُوَ نَفْسُهُ ونَفْسُهُ هُوَ، قُدْرَتُهُ نَافِذَةٌ، فَلَيْسَ يَحْتَاجُ أَنْ يُسَمِّيَ نَفْسَهُ ولَكِنَّهُ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَسْمَاءً لِغَيْرِهِ يَدْعُوهُ بِهَا لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُدْعَ بِاسْمِهِ لَمْ يُعْرَفْ» [٢].
وإذا كنا نريد معرفته بأسمائه فلا بد أن نتيقن أنها غير ذاته سبحانه، ففي الخبر عن الصادق عليه السلام
«فَلَوْ كَانَ الاسْمُ هُوَ المُسَمَّى لَكَانَ كُلُّ اسْمٍ مِنْهَا إِلَهاً، ولَكِنَّ اللهَ مَعْنًى يُدَلُّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ، وكُلُّهَا غَيْرُهُ»
[٣]، ولا بد أن يتذكر الإنسان هذه الحقيقة وهو في طريق العرفان بربه حتى لا تذهب به المذاهب، فيحاول كما فعل بعض الفلاسفة والمجسمة أن يتصور ربه بوهمه أو بعقله المحدود فيضل عنه إلى خلقه، فقد
«تَاهَتْ هُنَالِكَ عُقُولُهُمْ وَاسْتَخَفَّتْ حُلُومُهُمْ فَضَرَبُوا لَهُ الأَمْثَالَ، وَجَعَلُوا لَهُ أَنْدَاداً، وَشَبَّهُوهُ بِالأَمْثَالِ، وَمَثَّلُوهُ أَشْبَاهاً، وَجَعَلُوهُ يَزُولُ وَيَحُولُ، فَتَاهُوا فِي بَحْرٍ عَمِيقٍ، لَا يَدْرُونَ مَا غَوْرُهُ، وَلَا يُدْرِكُونَ كَمِّيَّةَ بُعْدِهِ»
[٤]، فسبحان الله عما يصفون
[١] الكافي: ج ١، ص ١١٦.
[٢] الكافي: ج ١، ص ١١٣.
[٣] الكافي: ج ١، ص ٨٧.
[٤] بحار الأنوار: ج ٣، ص ٢٩٦ عن الإمام الكاظم عليه السلام.