من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٩ - يقاتلون في سبيله صفا
شيئا ولا ينقصه عدمه أمراً! لأنه لم يزل عزيزاً حكيماً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ تتجلى عزته وحكمته على مسرح الخلائق كلها، وفي ساحات الجهاد بالذات، ذلك أن نصره العزيز للمؤمنين به مظهر لعزته، أما حكمته فإنها تتجلى حين لا ينصر إلا من نصره واتبع نهجه.
[٢] وينهر السياق المؤمنين عن صفة من صفات النفاق ألا وهي الطلاق بين القول والعمل، وقد تساءل بعض المفسرين: كيف تخاطب المؤمنين وتنهرهم عن الازدواجية في النفاق؟ أوليسوا مؤمنين وتلك الحالة من صفات المنافقين؟!. بلى؛ بيد أن المؤمن لو لم يكن حذرا وقع في حفرة من حفر النفاق، وباستثناء الكاملين يحمل كل فرد (وحتى المؤمنين) بعض صفات النفاق، كالخلف، والكذب، وإذا ما بلغ الأمر إلى حد سيطرة هذه الصفات على مجمل حياته لحق بالمنافقين، وقبلئذ يبقى المؤمن يجاهد نفسه لتطهيرها من صفات النفاق جميعا. والتناقض بين القول والفعل، بين الشعار والواقع، هو من أسوأ ما يتورط فيه المؤمن، لأن ذلك يضعف شخصيته في المجتمع، وثقة الآخرين به، بل وثقته بنفسه أيضا، لذلك حذر لله منه فقال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ وكان هذا بعد واقعة بدر حيث عَمَّق النبي صلى الله عليه واله حب الشهادة فيمن حوله، وبَيِّن مناقب الشهداء ومنازلهم في الجنة، فتمنى الشهادة بعض المسلمين- الذين لم يحسنوا إلا التمني- وقالوا: لو هَيَّأ الله لنا قتالا نُفرغ وسعنا فيه، ونبذل أرواحنا وأموالنا في سبيل الله، فنحصل على مراتب المجاهدين والشهداء، وسرعان ما حدثت واقعة أحد، فلم يفوا بما قالوا، إنما انهزموا وتركوا النبي في الميدان، فنزلت حينها هذه الآيات الكريمة.
ولعلنا نهتدي من الآية اللاحقة إلى أن بلوغ الإنسان درجة الاتحاد بين القول والفعل من أعلى رتب الإيمان، ومن أصعب الأعمال، وذلك يحتاج إلى سعي عظيم ومستمر. والجهاد الذي تحدثنا الآيات التالية عنه وترغِّبنا فيه من أبرز مصاديق هذا السعي، وبالذات إذا كان تحت راية الوحدة.
[٣] وما أعظمها سيئة عند الله أن يقول المؤمن ما لا يفعل، بلى؛ لو صدر ذلك من المنافق فهو من طبعه، أما أن يدعي أحد الإيمان ثم يتلبس صفات النفاق فإنه يضع نفسه هدفاً لمقت الله كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ قال الراغب: [المقت البغض الشديد لمن تراه تعاطى القبيح] [١]، ويقابله الحب، ويبدو لي أنه البغض المقارن للاحتقار، ولا ريب أن الذين لا يحترمون كلمتهم وعهودهم ومواعيدهم و ... يتخلفون ويذلون وتحتقرهم الدنيا، بل ويحتقرون أنفسهم. وهل تتخلف الأمم إلا بالعهود المنقوضة واختلاف القول عن العمل؟! ونحن ينبغي أن نبحث عن جذور تخلفنا، وأسباب انحطاطنا على ضوء هذه الآية الكريمة، والتي لا ريب نجدها في التمني البعيد عن العمل، والقول المجرد عن السعي، والعهد المنقوض، والوعد المُخْلَف،
[١] مفردات غريب القرآن: باب المقت، ص ٤٧٠.