من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣ - إن هو إلا وحي يوحى
[٣- ٤] بلى؛ لقد زعم البعض أن عصمة النبي صلى الله عليه واله محدودة في الشؤون المتصلة بالرسالة نفسها وحسب، ولكن السؤال: إذن كيف نعرف أن ما يقوله الرسول هل هو جزء من الرسالة، أو هو شأن من الشؤون التي يخطئ فيها؟ كلا .. إن الله قد عصم الأنبياء جميعا، وأيدهم بروح القدس، حتى تتم حجته على خلقه، ولا يبرروا مخالفتهم لهم بعدم الثقة بأن كلامهم من عند الله، وقد قال سبحانه وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (٤٤) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة: ٤٤- ٤٦]، وقال عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ [الجن: ٢٦- ٢٨].
إن الإنسان تنازعه من داخله قوتان: نور العقل الذي يهديه إلى الحق، وشهوات الهوى التي تدفعه باتجاه الباطل، ولقد أدَّب الله نبيه صلى الله عليه واله إلى أن اعتصم من آثار الهوى، وجسَّد الحق لا يزيغ عنه لحظة ولا قيد شعرة.
إن العقل المحض لا يخطئ أبدا، ولذلك اعتبره الإسلام رسولا باطنا كما أن الأنبياء كانوا رسلا ظاهرين، وحجة خفية كما الرسالات حجة ظاهرة.
وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ومن عمق الأدب القرآني وبلاغته أنه لم يكتف بكلمة وَحْيٌ بل أضاف إليهما كلمة يُوحَى الفعل المبني للمجهول، وذلك لأن الوحي قد يكون من فعل نفس الإنسان، أما إذا بني للمجهول فإنه يكون من طرف آخر، والآية التالية تبين الموحي وهو الله شديد القوى، نفيا لاحتمال أن يكون الرسول يتلقى رسالته من قوى يتصل بها كالجن أو بعض الكهنة، كما ادعى عليه الجاهلون وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ [الدخان: ١٤]، كلا .. إنه يتلقى رسالته عبر الوحي من الله، وهذا الاتصال هو الذي يمده بالعصمة، وحديث عصمة الرسول حديث طويل بحثه الدارسون، وقد اختلفوا فيه كثيرا، وأنا أترك الخوض في هذا الموضوع بالصورة التي بيَّنها الكثير، وأقتصر هنا على الحديث عنه من زاوية هامة جدًّا، وهي دراسة حياة الرسول صلى الله عليه واله، لأن ذلك كما أعتقد سوف يكشف لنا شخصيته الفذة، وكيف أنها لم تتأثر بأي عاملِ هوىً، إنما كانت دائما وأبدا صنيعة العقل والوحي.
لقد عاش صلى الله عليه واله في مكة المكرمة- قبل أن يظهره الله على المشركين فيها- تلاحقه عصابات الضلالة والبغي من قريش، يحاولون أن يخدعوه عن دينه، ويصرفوه عن رسالته بالإرهاب تارة وبالترغيب أخرى، حتى بلغ الأمر بهم أن عرضوا عليه السلطة المطلقة عليهم وعلى أموالهم، ولكنه لم يخش إرهابهم، ولم تحرفه عروضهم المغرية، إنما تسامى على ذلك كله،