من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٧ - لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء
أسوة المؤمنين، وهكذا تتحول حياة الأنبياء أسوة حسنة للأجيال المؤمنة من بعدهم، ويتعزز دور إبراهيم عليه السلام والذين معه بوصفهم أسوة للمخاطبين بهذه السورة حينما ندرك ظرف نزولها في المدينة حيث تحولت الأمة الناشئة إلى مجتمع مستقل، وذي قوة لا يستهان بها، فإذا قسنا ذلك الظرف بما عاشه المؤمنون في عهد إبراهيم كانت المسافة عريضة، حيث قاطع إبراهيم والمؤمنون معه تلك الفئة القليلة المستضعفة مجتمع الشرك مقاطعة جذرية شاملة، فكيف يزعم البعض من مؤمني المدينة ومن كان مثلهم أن مقاطعة الكفر غير ممكنة؟! كلا .. أولئك أسوة لنا وحجة علينا.
قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ لماذا عبر القرآن الحكيم بهذه الصيغة مع تأكيد على شخص إبراهيم، وكان من الممكن أن يقول تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في المؤمنين على عهد إبراهيم)؟ ربما ليؤكد على دور القائد إبراهيم عليه السلام لأنه هو الأسوة أولا وإنما المؤمنون أتباع له، وهذا تأكيد من قبل الله على الدور الريادي للإنسان الفرد في التاريخ.
وهذا هو أبو الأنبياء عليهم السلام والمؤمنون معه يعلنون موقفهم الحازم والراسخ تجاه قومهم المشركين وضد قيمهم الضالة، لم تثنهم قلتهم، ولم تلجئهم الضغوط إلى الركون والخضوع لهم.
إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وبذلك تحدوا الأشخاص والمبادئ معا لما ينطويان عليه من الضلال، وكم يكون الأمر صعباً والتحدي مكلفا إذا كان المتبرئون هم الأقلية الضئيلة، ذلك أن العزلة عن الآخرين مكلفة حتى ولو كان من الأكثرية للأقلية، فكيف بالعكس؟! بلى؛ إنهم أعلنوا البراءة من قومهم، وهجروهم، واشتروا ألوان المحن بقيمة تحديهم، وصبروا على الحق، وهكذا ينبغي للإنسان الحر أن يختار طريقه، بعيداً عما يجد عليه قومه ومجتمعه، وبالذات المؤمن الذي يعتبر الحق هو المقياس الأول والأخير. ولعل القول إِذْ قَالُوا لا يعني مجرد الكلام، إنما يشمل كل ما من شأنه التعبير عن موقفهم وبراءتهم ماديًّا ومعنويًّا، فلقد أعلنوا بكل الوسائل براءتهم منهم ..
كَفَرْنَا بِكُمْ فلا نؤمن بنهجكم في الحياة، ولا نتخذكم مقياسا لمعرفة الحق والباطل، والكفر بالباطل هو الوجه الآخر لولاء الحق، وقد أكد الله ذلك في قوله فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا [البقرة: ٢٥٦]، ويجب ألَّا يكتفي المؤمنون بمجرد الكفر الباطن، إنما ينبغي ترجمة ذلك عمليًّا في واقع الحياة، كما كان إبراهيم عليه السلام والمؤمنون معه.