من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٤ - يسلط رسله على من يشاء
للعبادة فتسلم له نفوسنا وعقولنا وجوارحنا وقد ألهم ربنا كل شيء قدرا من نور معرفته، فإذا بكل شيء يسبح بحمده، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: ٤٤].
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ تسبيحاً تكوينيًّا بما فيها من عجز ومحدودية، اللذين يعنيان افتقارها إلى الخالق والمدبر، وتسبيحا عمليا حيث خضع كل شيء لإرادته وسننه، واستجاب لأمره ونهيه، تسبيحا ناطقا كل بلسانه، ولو أن مخلوقا مختارا كالإنسان تمرد فلم يستجب لله، ولم يتلفظ بذكره، فإنه لا يستطيع الخروج عن تسبيحه بصورة تكوينية كما يقاوم إرادته وسننه، بل ولا يمكنه البقاء على ذلك إلى الأبد، فإذا لم يستجب بإرادته واختياره فسوف يخضع بكل وجوده في القيامة حيث يكون الدين لله.
وشذوذ الإنسان عن مسيرة الوجود من حوله إذا رفض الاستجابة لربه لا يغير من شأنه عز وجل شيئا، فهو بذاته منزه سواء سبَّحه خلقه أم لا، ذلك لأن تعاليه وسموه عن الشريك والعجز والمحدودية حقائق ذاتية وليست مكتسبة.
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ تتجلى عزته وحكمته في الوجود، وفي مسيرة البشرية، وفي كتابه الذي تجلى فيه لخلقه، ويؤكد القرآن هاتين الصفتين في مطلع السورة وخاتمتها لما في آياتها من تجلياتهما، ففيها الحديث عن هزيمة أعدائه، وعن غلبته ورسله عليهم الذي يعكس عزته، وفيها بيان لتدبيره وحكمة بعض أحكامه وتشريعاته.
[٢] ويذكِّر القرآن بإحدى الحوادث التاريخية، التي تعكس بأحداثها وآثارها عزة الله وحكمته، حيث يضع أمامنا صورة واقعية لغلبته ورسله، ويفصل فيها القول مما يجلي عزته وحكمته، فبعزته كتب الهزيمة على أعدائه، والنصر لرسوله وللمؤمنين، وبحكمته أعطى هذا النصر الكبير للمسلمين من دون تضحيات.
هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ والحشر هو الجمع والسوق إلى جهة ما، وفي المنجد حشره عن بلاده: جلاه، والجمع أخرجه من مكان إلى آخر وفي هذه الآية والآية الثالثة إشارة إلى أنه الإخراج مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا، والإجلاء كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْجَلاءَ والمعنى: أنه تعالى أخرج اليهود لأول جلاء لهم من شبه الجزيرة مرحلة أولى، يتبعها جلاء بعد آخر حتى لا يبقى منهم أحد، وقد حدث ذلك بالفعل لما قويت شوكة المسلمين، وأحس اليهود بالخطر، وأن جلاءهم يمتد إلى حشر القيامة دون رجعة إلى ديارهم.
وقد قال تعالى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ولم يقل: أهل الكتاب. لماذا؟، لعل ذلك لأن حرب الله عليهم، وموقف حزبه منهم لا ينطلق من عنصرية ولا حسد، باعتبارهم أهل