من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤١ - وتناجوا بالبر والتقوى
وعادة لم يكونوا يقولون له ما ينفع أو ما يقتضي السرية، وربما كانوا يستغلون أوقات الرسول الثمينة بتوافه الأمور، لذلك أمر الله المسلمين بإعطاء الصدقة قبل التناجي.
ولكن لماذا فرضت الصدقة بالذات؟ لعله للحِكَم التالية
١- لأن وقت الرسول للأمة كلها وعلى من يستغله أن يدفع ضريبة لصالح المجتمع، فإن الصدقة لا ريب سوف لا يستهلكها النبي وهي عليه حرام، إنما سيوظفها من أجل رفع الحرمان، وإصلاح شؤون المسلمين.
٢- ولأن المتناجين مع النبي كان أكثرهم من طبقة الأغنياء، فلكيلا يشعر الفقراء بالغبن فرض الله على الأغنياء صدقة لصالحهم.
٣- ثم إنها كانت إشارة لأولئك الذين يزاحمون النبي بالتناجي في أمور لا تجدي نفعا، أو من أجل التفاخر، بأن الأمر ليس مَرْضِيًّا ولا طبيعيًّا عند الله ولدى رسوله صلى الله عليه واله، وبالفعل أدرك الكثير هذه الحقيقة، واستطاع القرآن علاج تلك الظاهرة في مواردها السلبية.
٤- ولأن البعض اتخذ التناجي مع النبي أمام المسلمين للتفاخر عليهم والتظاهر عندهم بالشخصية الهامة المقربة، وهذا أمر سلبي جاءت الصدقة علاجا وتطهيرا للنفوس من هذه الخلفيات السيئة.
ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ولم يغفل الله وهو الحكيم طبقة الفقراء الذين لا يطيقون دفع الصدقة، لذلك أعذرهم وسمح لهم بالتناجي مع النبي، فقال يخاطبهم فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وفي هذه الآية إشارة إلى أن المعني بتقديم الصدقة كان طبقة الأغنياء، لأنهم يستطيعون دفعها، وقد رأيناهم كيف كَفُّوا عن التناجي، فتبيَّت للمسلمين طبيعتهم وطبيعة أحاديثهم التي يزاحمون بها النبي صلى الله عليه واله والمسلمين أيضا.
وبقي الإمام علي عليه السلام مستمرا في تناجيه مع رسول الله صلى الله عليه واله لأهمية ما يتباحثه معه، ولعلمه بسلامة ما يقوم به، وإن التناجي مع النبي يستحق أن يقدم له المؤمن أكثر من ذلك، ولم يكن ثريًّا، بل لم يكن يملك يومئذ إلا دينارا واحدا لهذا الشأن، قيل إنه اقترضه من أحد المسلمين، فصرفه عشرة دراهم، قدمها كلها بين يدي عشر نجوات مع رسول الله صلى الله عليه واله، حتى قال عمر بن الخطاب: [كان لعلي ثلاث لو كان لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى] [١]، وقال الإمام علي عليه السلام
«إِنَّ لفِي
[١] تفسير روح البيان: ج ٩، ص ٣٠٦، المناقب: ج ٢ ص ٧٣.