من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٤ - وتناجوا بالبر والتقوى
والرسول صلى الله عليه واله وكذلك كل مؤمن يعرف ربه حق المعرفة ويعقل هذه الحقيقة بعمق، وبالتالي فهو لا يخشى من نجوى الأعداء، بل يتوكل على ربه، ويطمئن إلى أنها لا تضره إلا بإذنه عز وجل، وأن الغلبة ستكون للحق رغم المؤامرات.
أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وهذا الاستفهام للتقرير، فالمعنى: أنك لا بد أن تعلم يقينا، كما يعلم الذي يرى شيئا بعينه، ولكن كيف نعلم بهذه الحقيقة علم من يرى شيئا؟ إنما بالنظر في آيات الله في الخليقة، فكل ما في السماوات والأرض يشهد على أنه سبحانه حي قيوم شاهد حاضر. أَوَيُمكن لأحد أن يدبر هذه الكائنات بهذا النظام الحسن الدقيق من دون أن يحيط علما وقدرة بها؟
مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وتصريح السياق بعدد الثلاثة والخمسة، وإن كان ينبغي حمله الآن على التمثيل، إلا أنه لا ريب له حقيقة خارجية في التاريخ من واقع المنافقين، على أن الجلسات تتم عادة بالثلاثة والخمسة وأي عدد وتر لما فيه من إمكانية التصويت بسهولة. وقال بعضهم: إن في هذا التعبير بلاغة نافذة إذ لم يتكرر العدد، ونجد نظيره في القرآن، ولكن القرآن لم يحصر علم الله بهذا العدد فقال وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا خارجا عن الحد عددا وزمانا ومكانا، لأنه سبحانه قد تعالى عن الكيف والأين والعدد التي هي من صفات المخلوق.
قال الإمام علي عليه السلام
«فَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ اسْتِيلَاءَ أُمَنَائِهِ بِالقُدْرَةِ الَّتِي رَكَّبَهَا فِيهِمْ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ وَ أَنَّ فِعْلَهُمْ فِعْلُهُ»
[١]. وقال الإمام الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية
«هُوَ وَاحِدٌ وَاحِدِيُّ الذَّاتِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وبِذَاكَ وَصَفَ نَفْسَهُ، وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ بِالإِشْرَافِ والإِحَاطَةِ والقُدْرَةِ، لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ ولا فِي الأَرْضِ ولا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ ولا أَكْبَرُ بِالإِحَاطَةِ والعِلْمِ لَا بِالذَّاتِ؛ لِأَنَّ الأَمَاكِنَ مَحْدُودَةٌ تَحْوِيهَا حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ، فَإِذَا كَانَ بِالذَّاتِ لَزِمَهَا الحَوَايَةُ»
[٢]. وقال عليه السلام يحدث عن الله
«أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإِخْلَاصُ لَهُ، وكَمَالُ الإِخْلَاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ المَوْصُوفِ وشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ، فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، ومَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، ومَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ ومَنْ جَزَّأَهُ، فَقَدْ جَهِلَهُ، ومَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، ومَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، ومَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، ومَنْ قَالَ: فِيمَ؟ فَقَدْ ضَمَّنَهُ، ومَنْ قَالَ: عَلَامَ؟ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ. كَائِنٌ لَا عَنْ حَدَثٍ، مَوْجُودٌ لَا عَنْ عَدَمٍ، مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُقَارَنَةٍ، وغَيْرُ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُزَايَلَةٍ، فَاعِلٌ لَا بِمَعْنَى الحَرَكَاتِ
[١] بحار الأنوار: ج ٣، ص ٣١٠.
[٢] الكافي: ج ١، ص ١٢٦.