من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٣ - وتناجوا بالبر والتقوى
هدى من الآيات
لكي يتحسس القلب شهادة الله على كل شيء فيتجنب خواطر السوء، ويتقي وساوس الشيطان، ويتحصن ضد النفاق والتآمر ضد الإسلام والقيادة الشرعية، جاءت آيات الذكر ترينا علم الله بما في السماوات وما في الأرض، وتُبصِّرنا بحضورنا عنده، فما من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، وأنه جل شأنه معنا أينما كنا، ثم تحذرنا من حسابه وجزائه يوم القيامة.
ولعل هذه الآية هي محور سورة المجادلة التي تذكر بالحضور الإلهي، وما أعظمه رادعا عن المعاصي، وباعثا نحو الطاعات؟ ولكن لا يدع السياق القضية بلا شرائع تتجلى فيها شهادة الله، إذ يرينا كيف تآمر المنافقون (الذين لم يراقبوا ربهم) فتناجوا بالإثم والعدوان، ومعصية الرسول، ولم يراعوا آداب التعامل مع الرسول، ثم نهى القرآن المؤمنين من التناجي بالإثم والعدوان، وأمرهم بأن يتناجوا بالبر والتقوى، وذكَّرنا بأن النجوى من الشيطان، وهدفه من ذلك بعث الحزن في قلوب المؤمنين، الذين طمأنهم السياق بأنه ليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله ثم أمرهم بالتوكل عليه. لأن هدف المنافقين من تآمرهم التعالي على المؤمنين كما يبدو فإن السياق أشار إلى سيئة من سيئات سلوكهم متمثلة في اختيار صدر المجالس والتسمر فيها، فأمر الله المؤمنين بالتفسح في المجالس، وذكَّرهم بأن العزة ليست بالمجالس القريبة من الرسول، وإنما بالإيمان والعلم.
كما أشار إلى مزاحمتهم للرسول بالنجوى معه (لإظهار أنهم الأقرب إليه) فأمر المؤمنين بدفع الصدقات قبل النجوى معه، ثم ألغى هذا الأمر بعد أن عرف المنافقين، بل علم خواء كثير من نجوى غيرهم مع الرسول، وعدم أهميتها عند أصحابها، لأنهم أشفقوا من تقديم الصدقات قبلها.
بينات من الآيات
[٧] دليلًا لشهادة الله على كل شيء- هذه الحقيقة التي ذكرتها الآية الأخيرة من الدرس الفائت- يذكِّرنا الله بأنه حاضر، ذلك لكيلا يظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض أنهم يحيكون مؤامراتهم السرية بعيدا عن علمه، وبالتالي أن مكرهم فوق مكره، كلا .. فهم إن استطاعوا التناجي بالإثم والعدوان والمعصية بعيدا عن سمع القيادة والمجتمع وعلمهما، فإن الله يعلم بكل شيء، وسيؤيد المؤمنين وينصرهم رغم المؤامرات، وعدم إيمان أحد بهذه الحقيقة لا ينفيها، بل سيعلمها الجميع يقينا يوم القيامة، حينما يخبرهم الله بما عملوا.