من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٩ - وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا
والجواب: إن الإيمان روح في القلب تنميها الممارسة العملية، وكلما اتبع المسلم رضوان الله زاده الله هدى وإيمانا، وكلما كان العمل أصعب والإخلاص أنقى كان أنمى للإيمان، وأجلى للبصيرة والهدى، ولا ريب أن عتق رقبة (بما يكلف من إنفاق كبير)، وصيام شهرين متتابعين (بما فيه من صعوبة بالغة)، وإطعام ستين مسكينا (بما فيه من إنفاق ومواساة للمحرومين) إن كل أولئك ممارسات مستصعبة تمتحن قلب المسلم بالإيمان وتزكيه وتطهره.
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ المفروضة في المجتمع والعلاقات الأسرية، ولا يحق لأحد أن يتجاوزها.
وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ سواءً أولئك الذين يكفرون بالله وبرسالته وحدوده كفراً محضاً، أو أولئك الذين يكفرون عمليًّا، فلا يلتزمون بأوامره ونواهيه، ولا يقيمون حدوده. ومع أن عذاب الآخرة هو المصداق الأكبر لهذه الآية إلا أنه يحل بالكافرين في الدنيا أيضا، ذلك أن حدود الله إنما شرعت وفرضت لصلاح المجتمع وسعادته، فهي التي توقف الظلم والفساد، وتُحصِّن المجتمع والأسرة منهما.
والحدود (سواءً العملية الرادعة، أو التشريعية كالنظم والقيم) يكمل بعضها بعضا، وترسم مسيرة المجتمع وتضعه أمام خريطة واضحة محددة، إذا تحرك على أساسها وصل إلى الإيمان والسعادة، وإلا انتهى إلى ألوان من العذاب، النفسي والاجتماعي والحضاري، لأنها هي التي تحافظ على حقوق الناس وترعاهم، وتنفذ النظام بينهم. والمجتمع الذي يسوده القانون ويحكمه النظام مجتمع عزيز، يشعر كل أفراده بكرامتهم وأمنهم وحرمتهم، وأنهم ما لم يتجاوزوا الحدود لا يمكن لأحد أن يعتدي عليهم، على العكس من ذلك المجتمع الذي تحكمه الفوضى، ويكون هوى الأمير أو الرئيس أو الملك هو القانون، فإنه لا يحس بالأمن ولا يستشعر الكرامة.
هكذا كان فرض الحدود بهدف تحكيم القيم لا الأفراد في المجتمع، حتى لا تضيع حقوق الناس.
[٥- ٦] إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي: يقفون خصما لله ولرسوله ويستخدمون الحديد في ذلك (أي الحرب الساخنة)، وقال البعض: إن أصل الكلمة من الحد بمعنى الفاصل، ومعناه إذن المواجهة بكل أشكالها حيث يقف المتنازعون كل على حد بإزاء خصمه، وهذا المعنى اقرب حيث إن المحادة في ضوء السياق الذي أشار إلى حدود الله أن يخالف الإنسان الحدود الإلهية فيختار لنفسه حدودا أخرى تشريعية وعملية، كالذي يأخذ بالجاهلية وعموم النظم